تحقيقات أسبوعية

نافذة على الصين | “نيهاو”.. مرحبا بكم في “بيجين”

الحلقة 01

لا يمكن الحديث عن القوى العظمى في العالم الحديث دون الحديث عن دولة “الصين الجديدة”.. فما حققته من إنجازات عملاقة مدنيا وعسكريا واجتماعيا وإداريا، كان مجرد “حلم صيني” بعد سنوات من القهر والحرمان والاستعمار.. ولكن اتباع النظام لسياسة “الإصلاح والانفتاح” بعيدا عن نموذج “التعلم من الدول الغربية”، جعل “الباندا” الصينية، التي لا تفضل السبات بخلاف باقي أنواع الدببة.. تنهض من جديد لتفرض قوتها الناعمة على العالم، إما بـ”خيوط من حرير” أو بتوازنات دبلوماسية وعسكرية كبرى، وفوق كل ذلك، فقد وصلت البلاد إلى أحد أقوى أنواع التماسك الاجتماعي، قوامه أكثر من مليار و400 مليون نسمة، خرجوا ليصدروا ثقافتهم إلى العالم منتصرين على الفقر والجهل والاستلاب المعرفي والثقافي.. وهي المعركة المتواصلة منذ زمن المؤسس ماو تسي تونغ إلى زمن الرئيس شي جين بينغ.. فيما يلي تنقلكم “الأسبوع” إلى قلب التجربة الصينية عبر هذه النافذة الأسبوعية..

 

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

    وأخيرا، وصلت إلى عاصمة الكون كما أتصورها مستقبلا، العاصمة الصينية بكين، والتي تنطق هنا “بيجين”، بعد رحلة طويلة على متن الطائرات الفرنسية، وباعتباري واحدا من أولئك الذين يتصورون أن الطائرة يمكن أن تسقط في أي لحظة (وهذا يقع لي كل مرة رغم أن الأمر لا يصل إلى درجة الفوبيا).. فقد كنت أنصت أكثر من غيري للتعليمات الصادرة عن قمرة القيادة، و”تبا” لبعض النصائح والاحتياطات المبالغ فيها فيما يخص قواعد السلامة الجوية، خاصة عندما يقدم طاقم القيادة النصائح بضرورة التشبث بالمقعد، وربط الأحزمة، ويؤكدون الدخول في دائرة المطبات الجوية، عندما تشرع الطائرة في الاهتزاز وهي بين السماء والأرض، ويتركونك معلقا على هذه النصيحة التي تتكرر كل مرة، ولكن، ولا واحدا منهم يكلف نفسه عناء القول بأن الأمور بخير، وأن الرحلة ستتواصل بسلام، بدل هذه الدعوة إلى الاستعداد للموت.. لقد كانت رحلة متعبة، وشاقة بحكم المسافة بين المغرب والصين(..)، ويبدو أن كلتا الطائرتين اللتان استعملتهما قد مرتا في طريق مليء بالمطبات.. ولكم أن تتخيلوا المشهد الذي كنت أتوقعه عندما عرفت أن الرحلة إلى بكين انطلاقا من مطار “شارل ديغول” ستواصل مسارها عبر مسار بري، بخلاف العادة حيث كانت رحلاتي السابقة إلى بعض البلدان، رغم بعد المسافة الطويلة، تمر فوق البحر..

لا مجال للتدخل في قيادة الطائرة، ولا مجال لكبح هذه الأفكار التي تراود أشخاصا مثلي يحبون وسائل النقل البرية، مثل السيارات و”الأطوبيسات” والقطارات.. رغم أن الطائرات هي أكثر وسائل النقل أمانا في العالم..

الطائرة فرنسية، والمطار فرنسي.. لكن الصينيين اللطفاء بطبيعتهم، كانوا حاضرين في مطار “شارل ديغول” بعائلاتهم وأطفالهم وهواتفهم الذكية بشكل كبير، بل إن عددهم الكبير جعل إحدى لغات المطار المتميزة هي اللغة الصينية، التي لا يكاد يفهم منها المواطن الأجنبي أي كلمة.. وطبعا لا يمكن الحديث عن مطار فرنسي دون الحديث عن أولئك الأشخاص المجانين المنتشرين في هذا العالم، والذين يكتبون بالوشم على أجسادهم عبارات خادشة للحياء، بعضها باللغة العربية، فضلا عن لباس بعضهم والذي لا يمت لأي حضارة أو ثقافة بصلة، اللهم حضارة الجنون وإنكار جميع المعتقدات، وقد تكون هذه إحدى مواصفات “المواطن العالمي” الذي يتجاوز فلسفة الحدود والقيم المعروفة.

في هذا الزمن، 2024، الذي تمت فيه هذه الرحلة، لاحظت أن الإنسان أصبح يميل أكثر إلى التشبث بما تمليه عليه الآلة، فموعد الرحلات تمليه الآلات، وبعض المشروبات تقدمها الآلة، وحتى الأطفال إما كانوا يلعبون في الهواتف، أو يعلبون في الأماكن المخصصة للعب الإلكتروني.. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت أن الآباء والأمهات صاروا أطفالا أكثر من أطفالهم وهم يتزاحمون على اللعب في هذه الآلات التي تجعل الإنسان منقطعا عن محيطه وهو يلعب في عالم افتراضي لا يراه إلا هو..

وصلت إلى “بيجين”، والحق يقال: إن المرء لا يستطيع أن يتقدم خطوة إلى الأمام إلا في وجود مساعدين، فرصيده من الكلمات الإنجليزية أو الفرنسية النادرة سينتهي حتما داخل المطار عندما يبلغ المرحلة الأخيرة لتسلم أمتعته، وبعدها لن يجد أمامه سوى دولة الصين العظمى.. فمجرد الخروج من المطار سيجعلك منغمسا في ازدحام كبير للسيارات التي لا تشبه سياراتنا.. هل يعقل أن يكون عدد أنواع السيارات مهولا إلى هذا الحد، بينما لا تتحرك في بلادنا سوى حوالي 10 أنواع من الأكثر شهرة؟ فهنا توجد سيارات كهربائية كثيرة بشكل يجعل السيارة الأكثر شهرة عندنا، وعند الأوروبيين “تيسلا”، تبدو محتشمة أمام منافساتها العملاقة، أما عن سيارات البنزين فحدث ولا حرج، وجلها سيارات صينية، وبعضها آسيوي الصنع، بمواصفات وكتابات صينية.

رغم أني لا أعرف سوى كلمة واحدة من اللغة الصينية وهي “نيهاو” ويقصد بها “مرحبا”.. فقد فكرت منذ اليوم الأول الذي وصلت فيه إلى “بيجين”، في القيام بجولة في المنطقة القريبة من “شارع السلام الدائم”، وقد كنت أدرك مسبقا أن الإنسان يمكن أن يتيه وسط هذه البنايات العملاقة والشوارع النظيفة المتشابهة، مثل الإبرة وسط كومة من القش، لذلك كنت أجعل خرجاتي دائما تخضع لمنطق المربعات والمستطيلات أو المسارات الطويلة الممتدة، ومع ذلك، لم أكن أبتعد كثيرا، ولا أطمئن إلا عندما أجد نفسي من جديد أمام نقطة الانطلاق، وحتى أكون صادقا.. فقد كنت أخطئ المسار بعض المرات لأجد نفسي قرب المكان الذي انطلقت منه وهذا من لطف الأقدار في تلك اللحظة..

حاولت في البداية أن أعثر في هذا المكان الراقي على بعض مراكز التسوق، الذي تشكل فيه بعض الإقامات الدبلوماسية علامات مميزة، وهي تحت حراسة الشرطة والجيش الصيني، ويا لها من صرامة عندما تشاهد شبان الجيش الصيني يقومون بحركات رياضية صارمة تجاه اليمين واليسار بشكل يوحي بعراقة النظام المعمول به في الجيش الصيني، وكل الخطوات محسوبة.. وحده بائع “البطاطس الحلوة المشوية” الذي يقف بدراجته ثلاثية العجلات كان يعطي للمكان نكهة أخرى بتلك الرائحة المتفحمة، التي لم أتمكن من التعرف على مصدرها إلا في اليوم الموالي..

بعد حوالي عشر دقائق من المشي عبر شوارع “جانغو مان” النظيفة جدا، والراقية جدا، بدأت تظهر بعض معالم الحياة الصينية، من خلال هذه المطاعم المتنوعة بواجهاتها المتميزة، بتقديم الأكلات باللغة الصينية، ولولا الصور المرفقة لما تمكنت من معرفة أي أكلة، ولكن الرائحة والفضاءات المرتبة بشكل أنيق في مساحات ضيقة، كانت كفيلة بجعل هذا الشارع ينبض بالحياة.. لكني كنت أعاني مشكلة كبيرة في تقدير قيمة المشتريات، من خلال عملة “اليوان” الصيني، وطبيعي أن يقارن شخص مثلي بين شراء قطعة من “الدلاح” (البطيخ الأحمر)، وعلبة الشاي، وشمبوان للشعر، ومنظفات الأرض والملابس، والمكسرات.. ثم إني لم أعثر في هذا المكان على تلك الأماكن المعروفة عندنا بالمقاهي، بل إن مشروب القهوة نفسه يعد شيئا نادرا في بيجين.. إذ ليس من ثقافة الصينيين الجلوس في المقهى على الأقل في هذا المكان، فهنا إما أن تجدهم في المحلات المخصصة للأكل، أو تجدهم يمارسون الرياضة أو المشي في المنتزهات والحدائق، وهي كثيرة جدا بعين المكان، وتشكل جزء ملحوظا من الفضاء العام(..).

وطبعا، لم أعرف خلال اليوم الأول طريق تلك الأسواق التي يوجد فيها اللحم والخضر والفواكه والهواتف النقالة.. وقلت مع نفسي ربما إن الصينيين اختاروا تنظيم الأسواق على طريقتهم، فهذه المحلات الموجودة بهذه المنطقة لا توفر تلك السلع المنتشرة على نطاق واسع، كما أنها ممتلئة عن آخرها بشكل مكدس يجعل من الصعب التحرك داخلها، وتلك أولى خصائص المحلات الصينية التي دخلتها في انتظار التعرف على فضاءات جديدة.. المهم أنني التقيت أناسا لطفاء، رغم أنهم يجدون صعوبة كبيرة في فهمنا، وقد كنت أضحك مع نفسي، وأقول: “نحن لا نفهم بعضنا، فكيف سيفهمنا الصينيون”.

في هذه المناطق، يتحرك عدد كبير من المواطنين الصينيين باستعمال الدراجات الهوائية والدرجات الكهربائية، التي وضع لها المسؤولون طريقا خاصة بها على جانب الطريق الرئيسي للسيارات، كما أن جل المواطنين يلبسون هنداما غير مثير للفضول، ويسجلون حضورهم بتواضع كبير داخل الفضاء العام، وعلى الأرجح أنهم لا يحبون الفوضى، التي تعد جزء ظاهرا من تحركات جل المواطنين في بلداننا، أو هم مشغولون ببساطة، كما أن تحركات الشباب تبدو أكثر هدوء مثلها مثل تحركات سيارات الأجرة وتحركات عمال “الدليفري” المنتشرين بكثرة، رفقة دراجاتهم.. لا شك أن الوصول إلى هذا الهدوء والترتيب يحتاج شعبا عظيما متنورا، وكل شخص يعرف دوره في الحياة(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى