تحقيقات أسبوعية

متابعات | فضيحة الفيضانات تكشف تهرب رئيس الحكومة من تطبيق القانون

سؤال صندوق الكوارث الطبيعية يعيد طرح نفسه

كشفت فيضانات الجنوب الشرقي عجز وتهاون الحكومة في التعامل مع الكوارث الطبيعية والأمطار الرعدية، بالرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تحدث فيها فيضانات في المغرب، وسبق أن حصلت في جهة سوس ومناطق في الشمال.. لكن الحكومة لم تتخذ أي إجراءات استباقية أو تدابير وقائية لحماية الأرواح والممتلكات.

إعداد: خالد الغازي

    رغم أن فيضانات الجنوب الشرقي التي اكتسحت أقاليم ورزازات، تنغير، طاطا، وزاكورة، تم التنبيه إليها من قبل مديرية الأرصاد الجوية باللون الأحمر والبرتقالي قصد اتخاذ المواطنين الاحتياطات اللازمة، إلا أن الحكومة والسلطات كانت غائبة عن إجلاء سكان الدواوير المتواجدة في سفوح الجبال وترحيل القاطنين بالقرب من الوديان المهددة بالسيول والفيضانات، مما يضع المسؤولية مباشرة على الحكومة التي لم تقم بأي مبادرة أو تدخل، أو توفير الآليات والمعدات اللازمة رغم علمها بخطورة الأمر والتهديد الذي تشكله السيول على العديد من الجماعات الترابية.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالحكومة تتحمل المسؤولية الأولى، إلى جانب الدولة، عما تعيشه العديد من الأقاليم في الجنوب الشرقي، نظرا لكونها المسؤولة عن استثمار أموال صندوق الحد من الكوارث الطبيعية الذي يترأس مجلسه الإداري عزيز أخنوش رئيس الحكومة، دون أن يقوم بعقد المجلس للكشف عن مصير أو تدبير أموال هذا الصندوق التي تستخلص من دافعي الضرائب وتظل جامدة دون أن تستثمر في تشييد مشاريع للحد من الفيضانات التي تحصل كل سنة في عدة جهات، أو القيام ببرامج استثنائية قبل حدوث الكارثة، وتعويض ضحايا هذه الكوارث..

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب القانون، فإنه من المفروض على الحكومة “وضع آليات تعويض ناجعة ومستدامة لفائدة ضحايا الكوارث التي يتعرض لها المغرب بشتى أشكالها، على اعتبار أن عمليات التضامن المتخذة في ظروف استعجالية وغير منظمة مسبقا أثبتت محدوديتها في مواجهة هذه الوقائع الكارثية”، ويهدف الصندوق أيضا إلى تمكين جميع الأفراد الموجودين فوق التراب الوطني من حد أدنى في التعويض عن الضرر الذي قد يتعرضون له في حالة حدوث واقعة كارثية أدت إلى إصابات بدنية أو فقدان استعمال المسكن الرئيسي.

وقد أشارت محكمة النقض والمجلس الأعلى للسلطة القضائية في أحد القرارات، إلى مسؤولية الدولة والجماعات الترابية في هذا الجانب، مؤكدة أنه إذا ثبت وجود مواطنين متضررين بفعل الإهمال وبفعل عدم الصيانة للطرق، وعدم المراقبة للقناطر وغياب التشوير المتعلق بالطرق المقطوعة التي غمرتها المياه، فإن المتضررين لهم الحق في اللجوء إلى المحكمة المختصة للمطالبة بالتعويض، مما يؤكد أن الكوارث الحاصلة مؤخرا نتيجة الفيضانات تتحمل فيها الدولة والجماعات الترابية مسؤوليتها، وهي ملزمة بتعويض الضحايا عن الأضرار الناجمة عنها استنادا إلى نظرية المخاطر والخطأ الموجب للتعويض، وكذا عدم القيام بصيانة منشأة عمومية.

وانتقد العديد من النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التعامل “البارد” للحكومة مع فيضانات أقاليم الجنوب الشرقي، وغياب المسؤولين والوزراء وعدم اهتمام رئيس الحكومة بما حصل للمواطنين، سواء فيما يخص الحضور الميداني، أو فيما يتعلق بتقديم المعلومات الكافية من قبل الناطق الرسمي باسم الحكومة حول ما يجري في المناطق التي تشهد الفيضانات، ومسألة تعويض السكان الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، والدواوير التي جرفتها السيول.

في هذا الإطار، يرى رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن الحكومة تتحمل المسؤولية لعدم تدخلها قبل حدوث الفيضانات إلى جانب غياب التواصل من قبلها، حيث “لم نسمع الناطق الرسمي باسم الحكومة يعطينا معطيات والإجراءات التي قامت بها الحكومة، ولم نشاهد أي وزير أو لجان وزارية قامت بالتنقل إلى المناطق المتضررة ليتم جرد الخسائر والحلول،  لكي لا يتكرر ما حصل والآفاق بالنسبة للحد من الكوارث في هذه المناطق”، مضيفا أن هناك استهتارا واستخفافا من طرف الحكومة في التعامل مع النشرات الإنذارية التي أشعرت بالوضع قبل حدوثه، والغريب أن الحكومة لم تتفاعل نهائيا مع هذه النشرة من أجل إجلاء وإخلاء الناس القاطنين بالقرب من الوديان وفي الجبال حتى لا تحصل خسائر في الأرواح، حيث أن عملية التدخل تمت بعد مرور الفيضانات بجلب الآليات، في حين أن المفروض أن تكون متواجدة قبل إغلاق الطرق والمسالك، خاصة وأن هناك تساقطات كثيرة أسفرت عن انقطاع الطرقات، وسيارات جرفتها المياه، لذلك كان من الضروري الاستعداد القبلي لهذه الكارثة، وإعادة النظر في بعض البرامج التي كانت موجهة لبعض المناطق والأقاليم، التي عرفت تساقطات كثيرة.

وحسب نفس البرلماني، فإن هناك ضعفا كبيرا من قبل الحكومة في تدبير موارد صندوق الحد من الكوارث الطبيعية، فيما يتعلق بالاستثمار العمومي وبرمجة مشاريع تساهم في الحد من الفيضانات بالمناطق المتضررة، مثلا إنشاء جدار وقائي بجانب الوديان، وإقامة السدود المتوسطة، والأحواض، وفتح المسالك في بعض المناطق بشراكة مع الجماعات المحلية، رغم أن الداخلية تقوم بتنسيق مع المجالس الإقليمية بإصلاح بعض الطرقات المتضررة لكن الميزانية تبقى عادية لا تساعد الجماعات، مشيرا إلى أن هناك العديد من الأسئلة الكتابية وجهت إلى الحكومة حول الأقاليم المتضررة من الفيضانات تتعلق بالسدود والطرقات، لكن رئيس الحكومة لا ينصت لمقترحات المنتخبين ولا البرلمانيين ولا يهتم بها، بينما تنتبه الحكومة فقط حينما يقع زلزال أو فيضان في تلك المناطق التي كانت موضوع أسئلة برلمانية، مثل إقليم الحوز، الذي اكتشفنا مشكل الطرقات به إلا بعد حدوث الزلزال رغم أن جميع النواب تقدموا بعدة أسئلة حول وضعية الطرقات والبنى التحتية والخصاص في الصحة والتعليم.

واستطرد المتحدث قائلا: “الحكومة لا تبالي بالمطالب، بل هي تتعامل في الرباط مع الأوراق والدراسات ولا تهتم بالعدالة المجالية التي ظلت شعار جميع الحكومات السابقة، لكنها ما تزال منعدمة في عهد الحكومة الحالية، بحيث أن هناك بعض المناطق تعيش خارج التنمية والفرق بينها وبين المدن كبير جدا، لهذا فالعدالة المجالية يجب أن تنجز أولا من خلال الاستثمارات العمومية، وإعطاء هذه المناطق حقها من الاستثمارات وتوزيع الميزانية بشكل عادل على الجهات، عوض أن تظل ثلاث جهات تستحوذ على أكثر من 80 في المائة من ميزانية الاستثمارات العمومية، ثم تشجيع استثمار القطاع الخاص، خاصة وأن هذه الأقاليم لا تعرف استثمارات الخواص ولا يمكن تحقيق أي تنمية إذا لم يكن هناك تضافر للجهود بين القطاعين العام والخاص في هذه المناطق، لأن أغلب الجماعات الترابية لها موارد مالية محدودة تغطي أجور الموظفين والتجهيزات ولا تسمح لها بإنجاز مشاريع تنموية”.

فيضانات الجنوب الشرقي ليست الأولى التي تهز الرأي العام وتبرز فشل الحكومات في تدبير الكوارث، فقد سبق أن حصلت فيضانات سابقة في كلميم وتطوان وتارودانت، عرت عن تقصير كبير من قبل السلطات والحكومة وأجهزتها بسبب غياب عمليات استباقية، خصوصا في بداية فصل الشتاء للحد من الظاهرة، والتعامل بمسؤولية معها والعمل على استقطاب تجارب دولية لمواجهة الفيضانات من خلال تنظيم مؤتمرات دولية وجلب خبراء أو إرسال أطر مغربية للتكوين في الخارج، قصد جلب تقنيات علمية جديدة وأساليب يمكن أن تساعد في تقليل الخسائر والأضرار التي تعرفها المناطق الجبلية.

من جانبه، يقول محمد الديش، رئيس “الائتلاف المدني من أجل الجبل”، أن الكوارث والفيضانات التي وقعت في الجنوب الشرقي، تفترض الاستباق في تدبير المخاطر بشكل مخطط له، والحكومات والإدارات التي تحترم نفسها تشتغل ببعد استراتيجي، من خلال الاعتماد على العلم والتكنولوجيا التي منحت الإنذار المبكر وفرص الاستباق، وحسن التدبير حتى لا تكون هناك خسائر أكبر في الأرواح والممتلكات، وحتى يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال هذه الإنذارات وآليات الإشعار عن بعد والإنذار المبكر، وهي من التوصيات التي اشتغلت عليها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في مؤتمر عالمي بجنيف حول المناطق الجبلية وتدبير الكوارث.

وأوضح الديش أن الائتلاف المدني طالب بإنشاء منشآت مائية صغيرة ومتوسطة على الشعاب والوديان، أولا لحماية السدود الكبرى، ثانيا لحماية الساكنة من الفيضانات على غرار الأدوار التي تلعبها السدود، التي استطاعت أن تحمي عدة مناطق في جهة الغرب من الفيضانات مثل نهر سبو، الذي كان يفيض على الغرب ولكن السدود التي أقيمت بحوض ورغة مكنت من حماية المناطق والمدن من الفيضانات، بالإضافة إلى أن هذه الأحواض المائية تشكل مخزونا هائلا للمياه، حيث أن هذه المنشآت الصغيرة في أعالي الجبال والقمم، معمول بها في دول أخرى لتخزين المياه وللحماية من الفيضانات، والتي تكون خسائرها أقل ويتم الاستفادة من تخزين المياه عوض أن تصب في البحر أو تضيع في رمال الصحراء، مشددا على ضرورة المحافظة على الواحات التي تكون في أسفل سفوح الجبال، والتي لها إيجابيات كبيرة وتعتبر مناطق للتعايش مع الطبيعية وتخلق منظومات اجتماعية وثقافية يجب حمايتها من الفيضانات والجفاف.

وبخصوص تعويض المتضررين قال نفس المتحدث، أنه لطالما طالبنا في “ائتلاف الجبل” بضرورة تحيين قانون التضامن بسبب الكوارث الطبيعية، وملاءمته مع الكوارث التي تحدث نتيجة الفيضانات أو السيول أو انجرافات التربة، والتي يستفيد منها عادة الفلاحون الكبار الذين لهم تأمين، في الوقت الذي لا نقوم بتعويض حوادث تتعرض لها مناطق مثل الواحات أو المناطق الجبلية، أو مناطق معرضة لكوارث أخرى، إذن، لا بد من ملاءمة هذا القانون واستفادة الناس بشكل تضامني من موارد هذا الصندوق الذي يتم تمويله من دافعي الضرائب والتأمين، كما يجب تدبيره بشكل شفاف ومعقلن، مؤكدا على ضرورة تحيين قانون التعمير لبناء المساكن، مع الحفاظ على طبيعة عيش الناس مع الزراعات المعيشية التي تكون بالقرب من الأودية، ومن الضروري تحيين التصاميم والخرائط بناء على إسقاطات جديدة، وتنبؤات أخرى لحجم الكوارث والفيضانات والسيول وانجرافات التربة التي يمكن أن تحصل مستقبلا، نظرا لأن التغييرات المناخية قد تؤدي إلى كوارث أكبر غير متوقعة منذ قرون، داعيا إلى البحث عن وعاءات عقارية وأراضي لخلق تجمعات سكنية نموذجية تكون قريبة من الأنشطة الاعتيادية والزراعية التي يشتغل فيها الناس في القرى الجبلية، وإقامة مناطق سكنية أخرى، سواء باستثمار الملك الغابوي استثناء للاستغلال، وأيضا بتمليك الأراضي السلالية والمخزنية والحبوس، حسب طبيعية كل مجال، مع الحفاظ على الساكنة في أماكنها وعلى نشاطها الاقتصادي ومجالات عيشها بارتباط مع الأرض والمجال.

وهكذا وضعت فيضانات الجنوب الشرقي الحكومة أمام مسؤولية قانونية وإنسانية، بخصوص تعويض ضحايا هذه الكارثة من أموال صندوق الحد من الكوارث الطبيعية الغامض، حيث وجه النائب البرلماني محمد أوزين عن الفريق الحركي، سؤالا كتابيا إلى وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، حول صندوق التضامن ضد الكوارث وآليات تفعيله، مبرزا أن هذه الكوارث المتتالية تضع الحكومة في موضع تساؤل على عدة مستويات، أبرزها ما يتعلق بتعويض الساكنة والفلاحين ومربي الماشية جراء ما تكبدوه من خسائر.

وشدد أوزين على ضرورة تفعيل القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام عواقب الوقائع الكارثية الصادر بتاريخ 25 غشت 2016، ومن خلاله تفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، خصوصا بالنسبة لضحايا هذه الأحداث الذين لا يتوفرون على تغطية في مجال التأمين، متسائلا عن مخصصات هذا الصندوق المرصودة في قوانين المالية، وحصيلة إيرادات الضريبة شبه المالية المطبقة على أقساط التأمين المحولة للصندوق والمحددة في 1 في المائة، كما طالب بعرض حصيلة هذا الصندوق منذ إحداثه بخصوص تعويض ضحايا الكوارث الطبيعية التي عرفها المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى