تحت الأضواء | قانون المسطرة المدنية يهدد الأمن القضائي ويخالف منطوق الدستور
مواجهة جديدة بين المحامين والوزير وهبي
الرباط – الأسبوع
عادت المواجهة من جديد بين المحامين ووزير العدل عبد اللطيف وهبي، بعد تهريبه لمشروع المسطرة المدنية وتمريره في جلسة عمومية بمجلس النواب والمصادقة عليه دون أن يحظى بإجماع هيئات المحامين بالمغرب، والتي رفضت جميعها بنود المشروع الجديد الذي يمس الحق في التقاضي.
وقررت جمعيات هيئات المحامين الدخول في إضراب وطني احتجاجا على مضامين مشروع قانون المسطرة المدنية، الذي أعدته وزارة العدل بشكل انفرادي دون مشاورات مع رجال القانون والهيئات المهنية المرتبطة بقطاع العدالة.
وقد صادق مجلس النواب مؤخرا، في جلسة عمومية، على مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23، بموافقة 104 نواب ومعارضة 35 نائبا، وذلك إثر دراسة ومناقشة موادها التي شهدت مرافعات قوية من فرق ومجموعة المعارضة، مقابل تشبث عبد اللطيف وهبي بجل المقتضيات ورفضه قبول مقترحات التعديلات التي مرت إلى الجلسة العمومية.
واعتبرت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن تمرير مشروع القانون المذكور ستكون له أثار سلبية متعددة الأبعاد والنتائج، معربة عن استيائها من “الإصرار غير المفهوم للحكومة على تمرير مقتضيات المشروع رغم مساسه الخطير بالمكتسبات الوطنية في مجال العدالة”، وقالت: “إن هذه التراجعات الخطيرة تضرب في العمق الدور الرئيسي والمركز الاعتباري للمحاماة واستقلالها وحصانتها في الدولة الديمقراطية، وتخل بالتزامات المغرب الدولية”، داعية الحكومة إلى “التراجع عن المقتضيات غير الدستورية الماسة بالمواطن وحقه في الدفاع، وأثارها السلبية على الاقتصاد ومناخ الاستثمار”.
وأكدت الجمعية أن مهنة المحاماة هي شريك في تحقيق العدالة وفي الإصلاح الشامل لمنظومتها، ولم تكن يوما مشكلا كما يروج له البعض، معبرة عن استعدادها الدائم لكل حوار مسؤول يفضي إلى تجويد النصوص القانونية وتجاوز أزمة التشريع باحترام تام لمقتضيات الدستور.
وعبر أعضاء الجمعية خلال ندوة صحفية، عن رفضهم المطلق لمشروع قانون المسطرة المدنية الذي يتضمن تراجعات وبنودا غير دستورية ولا يوفر التقاضي العادل للمواطنين.
في هذا الإطار، اعتبر عزيز الرويبح، نقيب المحامين بالرباط، أن مشروع قانون المسطرة المدنية جاء ضد مهنة المحاماة، فهو يضرب حقوق المتقاضي في مقتل، ويبخس أدوار ومهام وتطلعات المحامين للعدالة في بلدنا، مضيفا أن مشروع قانون المسطرة المدنية الحالي لا يتلاءم مع مغرب اليوم ولا يستجيب لكل الأصوات التي تريد إصلاح منظومة العدالة، ولا يمكن أن تكون العدالة قوية بمحاماة مستهدفة وضعيفة، ولا يمكن تصور عدالة وفق ما يتطلبه الدستور ووفق ما جاءت به الخطب الملكية في أكثر من خطاب يركز على أن قلب إصلاح منظومة العدالة هو المتقاضي، فعندما نحرم المواطن من الولوج السلس والآمن للقضاء، معنى ذلك أننا نشل جزء من منظومة العدالة وجزء مما ينبغي أن يكون عليه الأمن القضائي والأمن القانوني.
وأوضح الرويبح، أن جمعيات المحامين بالمغرب قامت بكل ما يمكن أن يسهم في إقناع الآخر بأن مشروع قانون المسطرة المدنية فيه خطر على العدالة وعلى حقوق الدفاع، وفيه خطر على الفئات الهشة من أبناء الوطن، حيث يتم التمييز بين المواطنين في اللجوء إلى التقاضي بصيغة بينة وواضحة، معنى ذلك أننا نقيم فواصل وجزر داخل المغرب رغم أن الوطن واحد والهدف واحد، منتقدا إلغاء الحق في التقاضي بشكل آمن، معنى ذلك أننا نذهب بالمواطن إلى أمور أخرى وربما إلى انحرافات أخرى، لهذا ينبغي أن تكون العدالة بيئة سليمة لا بيئة لزجة يمكن أن تشوش على كل مجهودات الإصلاح التي نتتبعها، وقال: “رسالتنا موجهة إلى كل من له غيرة في هذا الوطن على العدالة، على القضاء نفسه والمحاماة، لا يمكن ان نتصور عدالة قوية بمحاماة ينظر إليها كما ينظر إليها اليوم، التاريخ يشهد أننا كنا من المدافعين عن استقلال السلطة القضائية، وكنا مدافعين عن استقلال القرار القضائي، اليوم نحن مضطرون ومجبرون للدفاع عن مهنة المحاماة وعن تاريخها ومستقبلها”.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي والمحامي نوفل بوعمري، أن مشروع قانون المسطرة المدنية الذي تم تمريره اليوم انتكاسة حقوقية حقيقية سترسم صورة قاتمة عن القضاء المغربي، لكونه “قانون يضرب حق التقاضي على درجتين، وهو حق دستوري تم خرقه بشكل فج، ويضرب قاعدة الولوج المستنير للمواطنين للعدالة، من خلال إجراءات ظاهرها تسهيل الإجراءات، لكن عمقها جعل المواطن وجها لوجه مع المساطر القضائية، ويقيد حق التقاضي أمام محكمة النقض، من خلال إقرار إجراءات تمييزية تقيد ممارسة حق النقض أمام محكمة النقض، وفتح المجال أمام القاصرين للتقاضي بدون دفاع، في خرق كبير لحقوق القاصرين”.
وقالت سليمة فراجي، محامية وبرلمانية سابقة: “المفروض أن يبقى المشرع صمام الأمان عند صياغة التشريعات الجديدة سعيا إلى تحقيق جودة التشريع، إذ يفترض فيه النظر والتقيد بمصالح جميع المواطنين وتدارك التناقضات، والتوفيق بين مختلف الاتجاهات والعمل على تفادي تضارب المصالح بين فئات وشرائح المجتمع، حتى لا يتم تعطيل تنفيذ التشريع أو تنفيذه بشكل سيء أو وقف تنفيذه أحيانا”، وأضافت أن “التصويت على مشروع قانون المسطرة المدنية يجعلنا نسلم بأن السلطة التنفيذية تملك عصمة القانون، لأن للحكومة أغلبيتها البرلمانية التي تصوت لها على مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان دون الاكتراث بتعديلات ومناقشات فرق المعارضة، بل إن الأغلبية البرلمانية اصطفت إلى جانب وزير العدل رغم المعارك القانونية والردة الدستورية، متسائلة ما هو دور البرلمان؟”.
وأوضحت فراجي في تدوينة لها، أن “المشروع لم ينتصر لمجانية التقاضي، بل فرض عقوبات مالية تثقل كاهل من قرر اللجوء إلى القضاء، إضافة إلى الغرامات في حالة الحكم بنتيجة سلبية، والتي تحول دون ممارسة الحق الأساسي في التقاضي المضمون دستوريا ودوليا، وأنه ينتابه بعض الغموض الذي سيخلق وضعا مربكا أثناء التفسير والتأويل، ووجه ضربة قاسية للبدلة السوداء ضدا على المواثيق الدولية والحقوق المكتسبة، وأخل بمبدأ دستوري يتمثل في حق جميع المواطنين في التقاضي، ناهيك عن خرق مبدأ التقاضي على درجتين، إذ بالرجوع إلى الفصل 118 من دستور المملكة، نجده يضمن للمواطنين حق التقاضي للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم التي يحميها القانون، بل يضمن حق الطعن أمام الهيئات القضائية المختصة”.
بدوره، أكد المحامي والحقوقي زهير أصدور، أن قانون المسطرة المدنية لا يؤثر فقط على المحامين، بل يشمل جميع مساعدي العدالة مثل المفوضين القضائيين، والعدول، والخبراء، وكل المتدخلين في قطاع العدالة، ويحدد مصيرهم ويساهم في رهنهم لسنوات قادمة، مما يتطلب تحركا جماعيا فعالا، وتظافر الجهود بين جميع الأطراف المعنية في قطاع العدالة، بما في ذلك الهيئات الحقوقية وكافة أطياف المجتمع المدني، ولا يمكن أن يتحمل المحامون وحدهم عبء مواجهة هذا القانون”، وقال: “إن التحديات الكبيرة تتطلب وحدة قوية وفعالة، ينبغي على جميع المتدخلين في مجال العدالة، من المحامين إلى الخبراء، أن يتحدوا لمواجهة التحديات والتأثير على صياغة القوانين بشكل يخدم العدالة والمصلحة العامة، والهيئات الحقوقية يجب أن تكون في طليعة هذه الجهود، لأن الأمر يتعلق بحقوق الإنسان والعدالة. إن التضامن والتعاون بين جميع الأطراف هو السبيل لتأمين حقوق جميع العاملين في قطاع العدالة وضمان نظام قانوني عادل وفعال”.
وعبرت المعارضة البرلمانية عن قلقها البالغ إزاء تداعيات هذا المشروع على حقوق المواطنين ومبادئ العدالة، حيث قالت النائبة البرلمانية مليكة الزخنيني عن الفريق الاشتراكي، أن “المشروع الجديد أسس لمفهوم جديد هو قرينة سوء النية، فالمتقاضي سيء النية حتى يثبت العكس، بما يشكل نسفا لروح قرينة البراءة التي كرستها المادة 119 والمادة 23 من الدستور لصالح المتهم، فبالأحرى المتقاضي، وأن الحق في المحاكمة العادلة وحكم يصدر في آجال معقولة كما تنص على ذلك المادة 120 من الدستور، يستدعي إجراءات مواكبة بتوفير الخدمة القضائية إن على مستوى البنية التحتية أو الموارد البشرية، وليس تقويض الحق في التقاضي”.
ويتضمن مشروع القانون المصادق عليه في البرلمان، موادا مثيرة للجدل قد تحرم المواطنين من اللجوء إلى القضاء أو البحث عن حقوقهم أمام المحاكم خوفا من المواد التي تخيف المواطنين البسطاء، من بينها المادة 10 التي تقول: ((يجب على كل متقاض أن يمارس حقه في التقاضي طبقا لقواعد حسن النية، وبما لا يعرقل حسن سير العدالة، وللمحكمة أن تحكم على كل من ثبت للمحكمة أنه يتقاضى بسوء نية، بغرامة لفائدة الخزينة العامة تتراوح ما بين خمسة آلاف درهم وعشرة آلاف درهم، وذلك بصرف النظر عن التعويض الذي يمكن أن يطالب به المتضرر”، ثم المادة 17 من القانون التي تقول: “يمكن للنيابة العامة، سواء كانت طرفا في الدعوى أم لا، ودون التقيد بآجال الطعن المنصوص عليها في المادة السابقة، إن تطلب التصريح ببطلان الحكم المخالف للنظام العام عن طريق ممارسة طرق الطعن القانونية”.



