تحقيقات أسبوعية

للنقاش | من له المصلحة في إطالة أمد التوتر في الشرق الأوسط ؟

بعد المفاوضات العسيرة بين حركة المقاومة “حماس” وإسرائيل بشأن التوصل إلى اتفاق هدنة لوقف إطلاق النار، برعاية بعض الدول وخاصة مصر وقطر، حيث تم التوصل إلى مجموعة من الاتفاقات كان أهمها كما نشرته “حماس”: “وقف إطلاق النار من الطرفين ووقف كل الأعمال العسكرية لجيش الاحتلال بكافة مناطق قطاع غزة، وخلال فترة الهدنة، يلتزم الاحتلال بعدم التعرض أو اعتقال أي أحد في كل مناطق قطاع غزة، ثم ضمان حرية حركة الناس من الشمال إلى الجنوب على طول شارع صلاح الدين”.. بذلك تكون المقاومة الفلسطينية قد حولت البوصلة الدولية في اتجاه إسرائيل مما يزيد من الضغط على حكومة نتنياهو، الذي قزمت عملية “طوفان الأقصى” إسرائيل في عهده، كما أن الصمود الذي أبدته “حماس” في مواجهة الآلة الهمجية الإسرائيلية، جعل حلم “مملكة إسرائيل” يتبخر في ظل التشتت والتشرذم الذي تعيشه كل مكونات السلطات الإسرائيلية، في ظل تصاعد وتيرة الدعم الدولي لفلسطين والاعتراف بدولة فلسطين، وكذا في ظل تراجع الدعم الغربي للكيان الصهيوني.

بقلم: جميلة حلبي

    منذ اندلاع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. لم يكن أكبر المدافعين عن إسرائيل ولا المساندين للقضية الفلسطينية يتوقعون أن يطول أمد الحرب الدائرة بين “حماس” والكيان الصهيوني إلى هذا الحد، ولا أن تُجبر إسرائيل على الركون إلى المفاوضات من أجل التوصل إلى الهدنة ووقف إطلاق النار، ولا أن يكون أسراها موضوع مباحثات بين الأطراف المعنية.. فقد عرى الجناح العسكري لـ”حماس” عن هشاشة ما كان الغرب يسميه “القوة الإسرائيلية” التي كانت تستعملها لترهيب أعدائها وتفرض بها السيطرة على دول الشرق الأوسط بالخصوص، وطبعا بأكبر الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، وتزويدها بأحدث الترسانات العسكرية..

ويبدو أن الوضع لا زال مستمرا على ما هو عليه بوجود أطراف تريد استمرار الحرب، أو بالأحرى تريد استمرار إبادة الفلسطينيين، حيث استمر التصعيد العسكري الإسرائيلي تجاه النازحين الأسبوع الماضي بالموازاة مع بدء جولة جديدة من المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار في العاصمة الدوحة بحضور رؤساء أجهزة استخباراتية من كل من مصر والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وعلى الجانب الآخر، اشتد الصراع وتبادل القصف بين إسرائيل و”حزب الله” بلبنان، مما تبدو معه الأمور أكثر تعقيدا، في ظل اشتراط حسن نصر الله وقف إطلاق النار بين ميليشياته وإسرائيل بإنهاء الحرب على الفلسطينيين بصفة نهائية، حيث جاء في خطاب متلفز له: “سنوقف إطلاق النار من الجنوب فور وقف القتال في غزة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبينما يسود التفاؤل بخصوص تطبيق الهدنة، لأن الأطراف المعنية تتفاوض حاليا حول تفاصيل كيفية تنفيذ الاتفاق، رسائل الميدان تقول عكس ذلك في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي، وفي ظل سقوط المزيد من الشهداء هذا دون الحديث عن الوضع الإنساني المتمزق، لأن كل المصطلحات لا تفي للتعبير عنه.. وهذا ما يوحي بأن الاتفاق ليس قريب التنفيذ، لأن التفاصيل معقدة وتداخل عدة أطراف – وطبعا لكل وجهة نظره، ومصالحه – سيجعل المفاوضات تستغرق وقتا طويلا للعمل على تنفيذ الاتفاقات ما لم تظهر مستجدات أخرى..

تتمة المقال تحت الإعلان

فحسب مسؤولين أمريكيين، فإن الاتفاق يتصور حل النزاع على 3 مراحل، تتمثل المرحلة الأولى من الاتفاق في وقف إطلاق النار لمدة 6 أسابيع، تقوم خلالها “حماس” بـ”إطلاق سراح 33 إسرائيليا، بمن في ذلك جميع الأسيرات، وجميع الرجال فوق سن الخمسين، وكل الجرحى”، مقابل أن “تفرج إسرائيل عن مئات الأسرى الفلسطينيين من سجونها وتسحب قواتها من المناطق المكتظة بالسكان نحو الحدود الشرقية لغزة، مع السماح بتدفق المساعدات الإنسانية، وإصلاح المستشفيات، والبدء في إزالة الأنقاض”.

أما المرحلة الثانية، والتي تشكل عقبة أمام الاتفاق بالنسبة لإسرائيل، فتتعلق بـ”إطلاق حماس سراح الجنود الذكور المتبقين المحتجزين لديها، ويتفق الجانبان على نهاية دائمة للأعمال العدائية مع انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من غزة”، ويكمن المشكل في انعدام الثقة بين الأطراف في عدم الالتزام التام بوقف إطلاق النار، فحسب وسائل إعلام أمريكية، فإن “حماس” وإسرائيل قبلتا بخطة “حكم مؤقت” لغزة ستبدأ مع المرحلة الثانية من الاتفاق، حيث لن تحكم “حماس” ولا إسرائيل غزة، وستتولى قوات أمنية مدربة من قبل الولايات المتحدة ومدعومة من حلفاء عرب معتدلين، تتألف من حوالي 2500 من أنصار السلطة الفلسطينية في غزة الذين تم فحصهم من قبل إسرائيل، ستتولى هذه القوات “توفير الأمن”، وإذا كان صحيحا ما قاله مسؤول أمريكي من أن “حركة حماس أبلغت الوسطاء بأنها مستعدة للتنازل عن السلطة لصالح ترتيب الحكم المؤقت”، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل يتم تحويل غزة إلى منطقة دولية تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية ؟ ما يؤكد أن أمريكا لا تنوي الخروج من الشرق الأوسط وأنها ستبقى مطبقة على المنطقة.

وفي ظل الوضع القائم في فلسطين، وفي ظل ضبابية مواقف الأطراف المعنية باتفاق هدنة، يبدو أن حلم الشرق الأوسط الكبير غير قابل للتحقيق، كما أن حلم تطهير المنطقة من الصراعات الإيديولوجية ومن النزاعات المسلحة، غير قريب، وذلك بوجود بؤر للتوتر تأبى أن تخمد، أهمها الصراع في اليمن، وتمدد التوتر إلى البحر الأحمر وتداخل الأطراف التي لديها مصالح تجارية عبر قناة السويس ومضيق “باب المندب”، ثم مسارعة الدول الكبرى إلى إرسال ترساناتها العسكرية بذريعة حماية قوافلها التجارية، مما يطيل أمد الصراع، وعلى الجانب الآخر، وبعد بدء الانفراج على مستوى العلاقات التركية السورية، والتي وصلت أوجها وتواصلت منذ الربيع العربي سنة 2011.. حيث هناك اتصالات جارية بين الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد، على عدة مستويات، وبتدخل من عدة أطراف لها وزنها في المنطقة، خاصة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خلال محادثات أستانا الأخيرة، من أجل إصلاح العلاقات بين البلدين رغم وجود ملف الأكراد، الذي يظل عالقا بين تركيا والعراق وسوريا.. تم الدفع بإشعال الفتنة بين أتراك ولاجئين سوريين بعدة مدن تركية مؤخرا، حيث اندلعت أعمال شغب فيما يشبه حرب العصابات بعد الاعتداء على لاجئين سوريين من طرف مواطنين أتراك بدعوى “تحرش سوري بطفلة تركية”(…)، ليتبين من خلال التحقيق الذي أجرته السلطات التركية وجود منشورات تبث العداء بين مواطني البلدين على وسائل التواصل الاجتماعي، هدفها تقويض جهود السلام المعلنة بين الدولتين، خاصة بعد خطاب الرئيس أردوغان بأنه يرحب باجتماع بينه وبين الأسد في تركيا، لتزيد الوفاة الغامضة للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي طين أزمة الشرق الأوسط بلّة، في انتظار ما ستسفر عنه سياسة الرئيس الجديد مسعود بزشكيان تجاه “حماس” وتجاه إسرائيل..

ومن جهة أخرى، فإن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها مصر بالإضافة إلى أزمتها المعلنة مع إسرائيل بعد سيطرة هذه الأخيرة على الجزء الموالي لمصر من رفح، جعل الأحداث تتشابك وتتعقد أكثر بعد اتهام وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مؤخرا مصر بإغلاق معبر رفح، حيث قال: “القاهرة تملك المفتاح لمنع حدوث أزمة إنسانية في غزة، وأن العالم يضع مسؤولية الوضع الإنساني في غزة على عاتق إسرائيل، لكن مفتاح منع حدوث أزمة إنسانية في غزة أصبح الآن في أيدي المصريين”.

إن توالي الأحداث وتشابكها في الشرق الأوسط يبعثر الأوراق السياسية من طرف عديد الجهات التي من مصلحتها الإبقاء على الصراع العسكري والسياسي قائما للمزيد من استنزاف خيرات المنطقة، ما يقوض جهود الدول التي تحمل على عاتقها وضع حد للإبادة الممنهجة ضد الفلسطينيين لعقود طويلة، وخاصة المملكة المغربية حيث يترأس الملك محمد السادس “لجنة القدس” و”وكالة بيت مال القدس”، والذي لا يتوانى في تقديم المساعدات للفلسطينيين رغم الحصار المضروب عليهم من قبل إسرائيل.

لهذا يبقى الأمل معقودا على الأطراف الإيجابية تجاه القضية الفلسطينية – على قلتهم – من أجل التوصل إلى حل للقضية يكون شاملا، لأن الاتفاق على هدنة من أجل تبادل الأسرى ومجموعة من النقط الثانوية، في نظر العديد من المحللين، هو بمثابة أخذ نفس لإعادة الصراع إلى نقطة الصفر ما لم يتم إخراج إسرائيل من أرض فلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى