المنبر الحر

المنبر الحر |  بوجيدة.. الحي الفاسي المنسي على هامش العاصمة الروحية

بقلم: الحسن العبد

    حي بوجيدة هو الحي العتيق بفاس الذي يحفل بذكريات خالدة لرجالات من طينة خاصة، بدء بالزعيم سيدي بوجيدة اليزغيتني، وغيره، فماذا عساني أن أحكي وأقول عن باب من أبواب فاس العتيقة، ولعله، إن لم أخطئ، أول باب من أبواب العاصمة الروحية للمملكة؟

إنه باب سيدي بوجيدة بحي سيدي بوجيدة، ولقد تفضل الكثير من رموز الحومة، من حاملي أسرار هذه الحومة الزعيمة، والعالمين بخبايا ومعاناة سكانها اليومية، ليدعموننا بمشاركتهم القيمة والمعبرة في هذا النص، بكلام شاعري رائع، وهم بذلك يقاسموننا هذه القضية الشعبية المميزة، فيحكون روائع الأحداث التي ميزت ستينات وسبعينات حومتنا.. إنهم أساتذة وإخوة وأصدقاء، اخترناهم لاستقراء لحظات من الماضي القريب والعجيب لسيدي بوجيدة، إحدى مقاطعات باب الفتوح بالعاصمة الروحية للمملكة، إنهم رفاق في درب النضال ولا زلنا على الطريق، وأصدقاؤنا ليسوا إلا معلمين من معلمي الحي المميزين، والذين نهدي لهم هذا البيت الشعري لأمير الشعراء محمد شوقي:

تتمة المقال تحت الإعلان

قم للمعلم وفه التبجيلا          كاد المعلم أن يكون رسولا

تتمة المقال تحت الإعلان

إنه حي بوجيدة المنسي على هامش مدينة فاس، على طول الطريق المؤدية لجبل زلاغ، يمتد الحي ملقى بين ظهراني عدوة الأندلس، نسبة إلى مسجد الأندلس الذي تم ترميمه مؤخرا، والذي بنته زينب الفهرية، وقديما قيل “ادوي إلى كنت عدوي”، فسيدي بوجيدة حومة مترامية الأطراف، وملقاة بالسفح المنسي لقدم جبل زلاغ…

فباب سيدي بوجيدة، كما يقول المؤرخون والدارسون، من أعرق أبواب فاس، ومن أهم وأشهر أبواب مدينة الروحانيات العتيقة، كان يحمل اسما آخر هو باب بني مسافر، وكان يدعى قبل ذلك في أول بنائه في عهد الأدارسة “باب أبي سفيان”، والراجح أن “بني مسافر” تحيل على اسم قبيلة عربية استقرت آنذاك في تلك المنطقة التي شيد فيها الباب.

وتعود تسمية الباب الحالية (سيدي بوجيدة) إلى ولي صالح دفن خارج الباب وهو أبو جيدة بن أحمد اليزغيتني، كما جاء في الموسوعة الكتانية لتاريخ فاس، وكان يكنى أبا النور، وسكن في حارة فاس خارج باب بني مسافر، وينتسب لبني يزغتن، ويقال لهم بني يازغة، وهي قبيلة أمازيغية تقع جنوب شرق مدينة فاس.  

توفي أبو جيدة اليزغيتني سنة 365هـ، ودفن خارج باب بني مسافر، وفي ذلك أنشد الشيخ المدرع في منظومته في صلحاء فاس:

مما يلي باب المسافرينا                    وخارج الباب به دفينا  

شيخ شيوخ العلم والتمكين                محيي طريقة الهدى والدين

العارف المحقق القوي                       الواصل المقرب المرضي

هو أبو جيدة حبذا الإمام                    ضريحه مبجل له احترام

وما دمنا نتحدث عن ذاكرة الحي بماضيه البعيد والقريب، يبقى من الضروري أن نشير إلى القولة الشهيرة التي تميز الحي عن غيره من أحياء فاس، ألا وهي الزعامة، “سيدي بوجيدة الزعيمة من بغاها يزيد معها”، فهذا هو الشعار الخالد لأولاد سيدي بوجيدة، وطبعا للذاكرة أخبار وللشعار أثر في ماضي الحي، يقول أحد سكان الحومة، وهو شيخ طاعن في السن نعتبره مكتبة الحي لما تكتنزه ذاكرته من أخبار: “كلنا نعرف حي سيدي بوجيدة الواقع خارج أسوار مدينة فاس والمشهور عند سكان فاس، لكن من هو سيدي بوجيدة هذا ؟!

سيدي بوجيدة أو بوجيدة العماري، ينحدر من قبيلة أمازيغية في جبل زرهون، وكان الفاسيون في ثلاثينيات القرن 18 يحتمون به ضد اللصوص الذين عاثوا في فاس فسادا ونهبا، وكان يسكن في درب خلوق بالمدينة القديمة وكان يتعاطى لتجارة اللبن، ألا أن الجفاف أهلك أبقاره وأفلس، فاحترف بعد ذلك تجارة الحبوب التي كان يحتكرها ويبيعها بالسعر الذي يبتغيه، وانطلاقا من ذلك سطع نجمه في الحي الذي يقطن فيه والأحياء المجاورة، وبسبب الفراغ الذي أحدثه غياب زعامات العائلات الفاسية في تلك الفترة، تولى الزعامة في حي الصفاح والكدان والرميلة، وكانت حمايته فعالة وناجعة، إذ أن هذه الأحياء سلمت من بطش اللصوص في الوقت الذي كانت فيه باقي الأحياء فريسة لهم”.

إننا لا نريد الخوض في أسرار الأعماق بقدر ما نود الإشارة فقط إلى أهمية حي بوجيدة وسط العاصمة الروحية، ومن هذا المنبر نرغب جادين في الوقوف لحظات إجلال وتقدير لأرواح الرجال الذين غادرونا في صمت رهيب، أناس أثروا بشكل أو بآخر في طفولة الحومة وتاريخ الحي، رجالات من طينة خاصة، أعتبرهم شخصيا أساتذة في مؤسسة سيدي بوجيدة الشعبية، خلفوا وراءهم أثارا تشهد لهم بالشهامة وحسن الجوار والصدق والسخاء في التعامل مع الأسر الفقيرة في الحي.

يقول أحد أبناء حي بوجيدة المنسي سابحا مع خيال الذاكرة في عالم الطفولة وعبق التاريخ الذي يؤثث ذاتنا وهويتنا: “أتذكر دائما هذا العالم السحري بحينا الزعيم والمليء بالتناقضات على مستوى الواقع، لكنه يعبر في عمقه عن أصالة الذات والجوهر المشترك الذي كان يجمع بين واقع المعاناة والأمل الذي كان قاسما مشتركا بين الجميع، إن هذا العالم الصغير الذي كان يحتضننا هو صورة لعالم كبير كانت تعيشه مدينة فاس وكل المدن المغربية، بتنوع أسرارها لتتحول إلى ذاكرة شعبية تبوح بالمنسي والمهمش والتاريخ الرسمي، رغم أنه يشكل عمق الواقع والأساس الذي يبني الثقافة الجماعية بمعناها العميق، لأنه ينبني على قيم إنسانية وسلوك إنساني يمتدان عبر تاريخ الذات الإنسانية”.

وفي الختام، نتمنى أن يستلهم سوسيولوجيو مدينة فاس البعض من مميزات هذا الحي ومظاهره الاجتماعية من هذا المقال المتواضع، ليغنوا النقاش بأبحاثهم وبتناولهم لمختلف القضايا التي ميزت عدوة الأندلس، باب الفتوح عبر التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى