تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | السياسة الجنائية بين فشل السياسات العمومية وغياب الموازنة بين حقوق الأفراد والدولة

تعيش السياسة الجنائية المغربية أزمة منذ عدة سنوات وصلت إلى الطريق المسدود، بسبب عدم مواكبة الحكومات المتعاقبة لتطورات المجتمع المغربي، واستمرار فرض سياسة العقاب والزجر التي تعود إلى قانون ستينيات القرن الماضي، حسب الخبراء، لذلك ظلت المقاربة الزجرية وسلطة الاتهام طاغية على منظومة السياسة الجنائية ببلادنا في غياب بدائل أخرى يمكن أن تساهم في بلورة سياسة جنائية حديثة تعتمد على الوقاية والعلاج قبل العقاب.

إعداد: خالد الغازي

عبد الرزاق الجباري

    قال عبد الرزاق الجباري، رئيس نادي قضاة المغرب، أن السياسة الجنائية، سواء في المغرب أو في البلدان الأخرى، تعيش أزمة بحسب فقهاء القانون، سواء المغاربة أو الفرنسيين، لأن الحديث عن الأزمة بدأ في السبعينيات في أدبيات الفقه الفرنسي، حيث نعيش أزمة وجود في أداة السياسة الجنائية المتمثلة في القانون الجنائي بمفهومه العام، ويشمل حتى قانون المسطرة الجنائية، ويقولون بوجود أزمة وينظرون إليها من زاوية تسبيب بعض المبادئ التي أصبحت راسخة، والسياسة الجنائية المعاصرة تم تسبيبها وتليينها كما هو الشأن مثلا لمبدأ الشرعية الجنائية، ومبدأ التناسب بين العقوبات والفعل، ومبدأ التدخل الجنائي، وما إلى ذلك من المبادئ التي أضحت بفعل الثورة التكنولوجية وبفعل التطور الاقتصادي والبنيات المجتمعية، مبينة و”منسمة” نوعا ما.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأضاف الجباري، أن الفقهاء يرون أن هناك أزمة مشروعية ويلاحظون أن القوانين الجنائية العامة تتحول كلما تدخل المشرع في إطار مراجعتها أو تعديلها إلى مخالفة بعض المبادئ التي أصبحت راسخة في الوجدان الجنائي في ظل سياسة جنائية معاصرة، إلى جانب أزمة فعالية تتجلى بالنسبة إليهم في القانون الجنائي الذي يعتبره أداة السياسة الجنائية ما وضع إلا لمحاربة الجريمة، في حين أن منسوب الجريمة بناء على معطيات علمية وإحصائيات هو في تزايد، لهذا سموها بأزمة مشروعية، مؤكدا أن هناك العديد من التدابير التي يمكن اتخاذها لتجاوز هذه الأزمة وتداعياتها، وبالنسبة للمغرب، هناك وثيقة مهمة وهي الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، والذي تضمن العديد من التوصيات التي تروم التخفيف من وطأة وحدة هذه الأزمة، مثلا أوصى بمراجعة المسطرة الجنائية بصفة عامة، والعمل على ملاءمتها مع الصكوك والقرارات الدولية ذات الصلة، واعتماد تثنية من التجريم، أولا تجريم توصية 65، واعتماد الحد من العقوبات (توصية 68)، واعتماد تقنية التحول عن الإجراء الجنائي، واعتماد الصلح والتنازل، وتوصية التنسيق بين السياسة الجنائية ومختلف السياسات العمومية، خصوصا الاجتماعية منها، حيث لا يمكن التعويل على سياسة ا التجريم.

تتمة المقال تحت الإعلان
خالد المروني

بدوره، قال خالد المروني، رئيس نقابة المحامين بالمغرب، أن الأزمة التي تطبع السياسة الجنائية بالمغرب تتسم بعدم القدرة على الموازنة بين حقوق الأفراد وحقوق الدولة، وغلبة المقاربة الأمنية في معالجة الظاهرة الإجرامية، واعتماد الاعتقال عوض إعمال البدائل الأخرى المتاحة، مما ترتب عنه تضخم الساكنة السجنية وتضخم القضايا الزجرية المعروضة على أنظار المحاكم، وما ينتج عنه من تأخر في إصدار الأحكام، وبالتالي التأثير المباشر على النجاعة القضائية وجودة الأحكام وعلى الأمن القضائي المكرس دستوريا.

وأكد المروني أن السياسة الجنائية بالمغرب تطبعها الفلسفة التقليدية التي ما تزال مؤثرة في إعدادها وتنفيذها والأهداف التي تتوخاها، خاصة في ظل اعتماد سياسة جنائية أساسها التجريم والعقاب مع تهميش سياسة الوقاية والعلاج، متسائلا عن أهمية بدائل الاعتقال خلال مرحلة البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي عن طريق بدائل الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة ومؤسسة قاضي التحقيق، وهل نجحت النيابة العامة في تحضير المقتضيات المؤطرة لسوق التمهيد الجنائي، أم أن نسبة الاعتقال الاحتياطي تشكل إجابة صريحة على فشل السياسة الجنائية المطبقة في هذا الشأن؟ وهل نجح قضاء التحقيق في إعمال بدائل الاعتقال الاحتياطي عن طريق تطبيق المراقبة القضائية، أم أنه بدوره متأثر بسياسة الزجر وفلسفة الإيداع في السجن؟

وواصل المتحدث نفسه شرحه بأن حق الدفاع يعد من مرتكزات السياسات الجنائية المعاصرة باعتباره ركنا أساسيا في المحاكمة الجنائية العادلة والمنصفة، وتجسيدا لمبدأ المساواة الذي من تطبيقاته التكافؤ في الآليات بين الاتهام والدفاع، حيث قبل الاتهام لم يقابله دفاع، بل كان في واقع الأمر إدانة لا محض اتهام وتحول إلى حكم بدون محاكمة، حيث أن حق الدفاع من مرتكزات المحاكمة العادلة وضمانة أساسية في مواجهة مختلف الانتهاكات لحقوق الإنسان، ومؤشر حقيقي لسيادة دولة الحق والقانون، ويكتسي بعدا كونيا كرسته المواثيق والعهود الدولية والإقليمية، وبعدا وطنيا تضمنته دساتير المملكة، وهو ما يستوجب إعادة النظر في جوانب متعددة في المسطرة الجنائية انسجاما مع الوثيقة الدستورية وملائما مع المرجعية الدولية.

وأشار رئيس نقابة المحامين بالمغرب إلى أن الضمانات التي فرضها قانون المسطرة الجنائية للمشتبه فيه تنحصر معظمها في مرحلتي التحقيق الإعدادي والمحاكمة، مقابل مقتضيات محتشمة التي سمتها تقزيم دور الدفاع وجعله  مقتصرا فقط على المعاينة القانونية وشرعية صنع الدليل الجنائي دون أن يكون له نصيب في إقامته، حيث تعتبر هذه المرحلة التي تسبق المحاكمة من أهم المراحل الإجرائية (الدليل الجنائي) والذي يتعذر محوه في كل المراحل التالية، ولذلك كانت الحاجة ملحة لجملة من المقتضيات التي تقطع مع استمرار هيمنة جهاز النيابة العامة ومحاضر الضابطة القضائية على مسار القضية، مشددا على ضرورة تعديل قانون المسطرة الجنائية لتعزيز حقوق الدفاع ويكفل للمشتبه فيهم المزيد من ضمانات المحاكمة العادلة.

من جانبه، اعتبر النقيب السابق والحقوقي عبد الرحيم الجامعي، أن موضوع السياسة الجنائية يناقش في المغرب منذ سنوات، خصوصا بعد مخرجات إصلاح منظومة العدالة، ومجموعة من المشاريع السابقة الأخرى قبل 2011، ومسودات بعد الدستور أقبرت من قبل الحكومات المتعاقبة، محملا المسؤولية للحكومات والمجتمع والأحزاب، لأن التنسيق السياسي والتملص السياسي والانتظار، قضى على رغبة المواطنين والقضاء ومساعدي القضاء والمسار الذي أخرج به دستور 2011، في تنزيل مقتضيات كبيرة جدا من أجل المحاكمة العادلة، وقرينة البراءة، والأمن القانوني، وحق الدفاع، وعدم الإيقاف إلا في إطار حدده القانون، وأيضا عدم إخراج قانون الدفع بعدم دستورية القوانين، مضيفا أن السياق اليوم في السياسة الجنائية مطبوع بالفشل السياسي في الحكومات المتلاحقة منذ سنة 2011 إلى الآن.

وقال الجامعي: لازالت عدة أمور جاء بها الدستور معلقة منذ عشر سنوات، في ظل غياب الإرادة السياسية للحكومة، في حين أن الإرادة السياسية العليا للبلد ترجمتها خطابات ومواقف وتوجيهات، والسياسة الجنائية ومناقشة القانون الجنائي والمسطرة الجنائية من صميم عمل الحكومة، والسلطة التنفيذية هي المسؤولة التي جاءت بالمشاريع وهي التي أوقفت المشاريع، حيث جاء وزراء بعد مصطفى الرميد وانسحبوا نتيجة فرض رأي الحزب وآراء البرلمانيين على الباقي، متسائلا: لماذا عطلت مشاريع الرميد؟ لماذا سحب المشروع الأول والثاني؟ ولماذا توقفت الحكومة بعد أن لاحظت المحكمة الدستورية مشروع الدفاع بعدم دستورية القوانين وتم سحبها؟ ولماذا أعادت الحكومة مشروع المسطرة الجنائية إلى المناقشة؟ هذا المجال قدم فيه الفقهاء في القانون والقضاة والعلماء الحلول والآراء، وهناك إرادة سياسية ضعيفة لدى المسؤولين عن الشأن العام، كل واحد يريد سياسة الحكومة والأحزاب، لذلك يجب أن يتحملوا المسؤولية لأن المغرب مهدد بالسكتة السياسية التي تؤثر على مسار العدالة في المغرب.

وأكد نفس المتحدث أننا اليوم نعيش أزمة سياسة جنائية، وأزمة قرينة البراءة، والحق في الدفاع، وأزمة العقاب، والكل مرتبط بالحق في الدفاع ومكانة المواطن في المنظومة الجنائية في المسطرة الجنائية، وفي المحاكمة ومكانته في تنفيذ العقاب، محذرا من تفاقهم الأزمة في ظل وجود أكثر من 4.5 ملايين قضية تروج في المحاكم، وأكثر من 37 و40 في المائة في السجون بدون محاكمة، و110 آلاف و930 مقدمون في حالة اعتقال في سنة 2023، وأكثر من 17 ألفا اعتقلهم قضاة التحقيق. إذن، فالسياسة الجنائية في المغرب لا تقيم وزنا حقيقيا للحرية، فقط الاعتقال الاحتياطي، والحراسة النظرية وشدة وقوة العقاب، حيث ظلت المدونة العقابية منذ سنة 1962 وإلى اليوم كما كانت، لم تتحرك هياكلها فقط بعض التعديلات، ولم تواكب التطورات التي تجري في المجتمع المغربي.

مصطفى الرميد

من جهته، اعتبر وزير العدل السابق مصطفى الرميد، أن السياسة الجنائية هي مجموعة من التشريعات والإجراءات التي تتخذها الدولة للوقاية من الجريمة ومحاربتها، لذلك فهي جزء من السياسة العمومية للدولة تأخذ ماهيتها ومحتواها من السياق الأساسي للدولة، والمعبرة عن هويتها والمترجمة في نصوص الدستور والمفصلة في القوانين والمراسيم والممثلة عبر القرارات والإجراءات انتهاء بإلقاء الأحكام القضائية، لذلك فالسياسة الجنائية تلامس في بعض الأحيان قضايا إيديولوجية ومن يتحدث أنه سيأتي بقانون جنائي لا علاقة له بالإيديولوجية فإنه لا يعرف أنه قانون إيديولوجي بامتياز، وأنه يريد أن يحصر التعديل في مواد ذات طابع تقني إجرائي لا علاقة له بالدين والحكم.

وأوضح القيادي السابق في حزب العدالة والتنمية، أن الدستور نص في فصله الأول على أن الأمة تستند في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية والاختيار الديمقراطي، لذلك فالسياسة الجنائية يكون من الواجب ممارستها على أساس صيانة وحماية هذه الثوابت الجامعة المذكورة والمعبرة عن الجامع الوطني المشترك، مضيفا أن حرية التعبير والرأي مكفولة بكل أشكالها في الدستور، لذلك يتعين تدقيق المفردات بخصوص التجريم وعدم التوزيع فيه، والتفرقة بين ما يدخل في ممارسة الحريات المكفولة دستورا، وبين الإساءة المتعمدة والمباشرة المستفزة للمشاعر.

وقال الرميد: إن السياسة الجنائية يجب أن تولي العناية اللازمة اليوم خاصة على مستوى مراجعة التشريع الوطني، لدعم المؤسسات ذات الصلة وتمكينها من كل الإمكانيات والوسائل اللازمة للقيام بمهامها لتحقيق الأهداف المسطرة، مذكرا بمسألة التصريح بالممتلكات التي نص عليها الدستور في الفصل 147، حيث أناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة ومتابعة التصريح بالممتلكات، وأيضا الفصل 158 من الدستور الذي أوجب على كل شخص منتخبا أو معينا تقديم تصريح كتابي بممتلكاته بموجب نظرة سابقة جنائية لأدنى الشروط المعقولة، ويتوجب تجريم الكسب غير المشروع، وذلك وفق ما تقتضيه مقتضيات الدستور الذي نص على ربط المسؤولية بالمحاسبة وعلى الحكامة الجيدة، وأن ذلك لا يمس مطلقا بقرينة البراءة كما يزعم البعض، وإلا فإن الاعتقال الاحتياطي كما سبق، وقبله الحراسة النظرية مساسا بشكل مباشر بقرينة البراءة، ومع ذلك يتم اعتمادهما تشريعا وقضاء، معتبرا أن التشكيك في تجريم الإثراء غير المشروع مجرد تهور مشهود لاستحقاق دستوري، وتنكر لمقتضيات السياسة الجنائية الرشيدة التي تعني محاربة الفساد، وجعل المرافق العمومية خاضعة لمعايير الجودة والشفافية والمسؤولية طبقا لما ينص عليه الفصل 154 من الدستور، واتفاقية مكافحة الفساد الأممية التي تنص على تجريم الإثراء غير المشروع والتي صادق عليها المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى