تحليل إخباري | منعطف سياسي بين تعديل الحكومة وانتخابات سابقة لأوانها
ما هي أسباب الصراع الخفي بين الأغلبية والمعارضة ؟

في الوقت الراهن، يمكن الحديث عن الحسابات الانتخابية في أمريكا وفي فرنسا، وفي عدة دول أخرى.. أما في المغرب، فبحكم الزمن الفاصل بيننا وبين المحطة المقبلة سنة 2026، فقد كان الأمر الأقرب إلى الحدوث هو حصول تعديل حكومي، من أجل التخلي عن بعض الوزراء، واستكمال هياكل هذه الحكومة التي وزع فيها كل شيء بين ثلاثة أطراف، بل إن بعض الوزراء كان من نصيبهم الجمع بين ثلاث وزارات في وزارة واحدة.
إعداد: سعيد الريحاني
في المغرب، وفي عز موجة الغلاء، والحرارة.. تجاوزت الأطراف السياسية مستوى المطالبة بتعديل الحكومة إلى الحديث عن التنسيق الانتخابي في أفق انتخابات 2026، لتكتب الصحافة ما يلي: ((تتجه الأحزاب السياسية الثلاثة المكونة للأغلبية الحكومية الحالية، نحو التنسيق من أجل الدخول بشكل مشترك إلى انتخابات 2026، وذلك من أجل ضمان حظوظ أوسع للاستمرار لولاية أخرى في تدبير الشأن العام، وفي تصدر المشهد السياسي على غرار الانتخابات السابقة.. وأفادت مصادر مطلعة، أن الفكرة طُرحت خلال الاجتماع الأخير للأغلبية الحكومية بحضور قيادات أحزاب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة، وذلك من أجل تعميق التشاور والتنسيق فيما بينها من أجل خوض الانتخابات القادمة بشكل مشترك..
وتسعى أحزاب الأغلبية الحكومية إلى الظفر بالولاية الحكومية القادمة، لضمان استكمال عدد من الأوراش الإصلاحية، إضافة إلى الاستفادة من عوائد عدد من البرامج والأوراش الكبرى التي تتم مباشرتها، لا سيما وأن المغرب مقبل على المشاركة في تظاهرات عالمية أبرزها مونديال 2030)) (المصدر: موقع مدار/ 5 يوليوز 2024).
هكذا يظهر أن التحالف المهيمن في المؤسسات عقب الانتخابات التشريعية الماضية، التي مكنت عزيز أخنوش وحلفائه من التحكم في مجلس النواب ومجلس المستشارين بالإضافة للحكومة، يستعد لإعلان مفاجأة سياسية كبرى، وهي محاولة مد هذه الهيمنة لتشمل الكتلة الانتخابية، رغم قصر بعد النظر في حسابات من هذا النوع، لأن الشعب لا يتكون من ناخبين ومنتخبين فقط، والفاهم يفهم(..).
حسب الفهم “السطحي جدا”.. يمكن القول إن أحزاب الأغلبية تحاول أن تحسم الصراع الانتخابي المقبل قبل بدايته، بالترويج لكون الحكومة الحالية هي القادرة على مواكبة الأوراش الضخمة التي يفرضها استقبال المغرب لمونديال 2030، مع ما يعنيه ذلك من امتيازات(..)، كما يمكن القول إن أحزاب الأغلبية التي تعاني من ضغط كبير من لدن بعض القطاعات المحتجة، وداخل البرلمان، ترى أن الوقت مناسب لحسم المعركة في ظل تشتت المعارضة الحالية، التي يوجد فيها كل من حزب العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي على طرفي نقيض(..).
بالمقابل، هناك من يربط تحركات الحكومة بمستوى أبعد، وأخطر(..)، حيث يقول الناشط الحقوقي والمحلل الاستراتيجي المصطفى كرين: ((إن تلويح الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية بعزمها التنسيق والدخول إلى الانتخابات المقبلة في سنة 2026 بشكل مشترك، ليس خيارا ولا عبقرية سياسية، وليس توجها نحو شكل من أشكال القطبية الحزبية كما يريد أن يروج له البعض لأسباب معروفة لدى الجميع، ولكنه قرار مفروض عليها ويتجاوز بمسافات ضوئية استقلالية قراراتها، لأنها “تورطت” في العديد من القرارات التي تتجاوزها والتي تتداخل فيها مصالح لوبيات داخلية ودولية من المستحيل إيقافها أو إعادة النظر فيها، ليس فقط لأن ذلك قد يفجر فضائح كبرى، وهو أمر وارد، ولكن لأن الأمر يتعلق بالتزامات وتعاقدات كبيرة جيوسياسية لا تحظى بالضرورة بالدعم المجتمعي، فمسألة التطبيع مع إسرائيل، ومسألة الالتزامات تجاه المؤسسات المالية الدولية، والتزامات المغرب السياسية والاقتصادية تجاه المحور الغربي وما يتعلق بتنظيم كأس العالم من جوانب مالية وسياسية لا يعلم حجمها وتبعاتها إلا الله، والقوانين الداخلية المتعلقة بتوزيع الامتيازات والصفقات بين العائلات، والقوانين المتعلقة بتقييد الحريات وغيرها.. كلها ملفات خطيرة وثقيلة يعتبر استمرار اللوبي السياسي الحالي في تدبيرها مسألة حياة أو موت، وضمانة لعدم تسرب تفاصيلها، ولا أستبعد أن يستعمل هذا اللوبي ما لم يخطر على بال أحد في الانتخابات المقبلة من أجل الاستمرار في الحكم، وإلا قد يذهب معظمهم إلى حيث لا يريد ولا يشتهي))..
ولا تقف المعطيات الخطيرة التي يقدمها المصطفى كرين عند هذا الحد، بل إنه يعمق من خطورة التحليل بطرح بعض الأسئلة، ويقول: ((ماذا لو فازت المعارضة، وهو أمر ممكن نظريا، وفتحت ملفات تفويت الصفقات لمنتسبي وقياديي حزب الأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال مثلا، ومراجعة الاتفاقيات السياسية والاقتصادية الموقعة مع إسرائيل ومع الإمارات، وإعادة النظر في الاتفاقيات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وإعادة مناقشة التزامات المغرب فيما يتعلق بتكاليف تنظيم كأس العالم ماليا واجتماعيا… فمجرد التفكير في ذلك يطرد النوم والأمل من أنفس المعنيين، لذلك فإن مسارعة الحكومة الحالية إلى إنهاء بعض المشاريع ليس اجتهادا، بل خوفا من 2026.. وطبعا لكل حساباته)) (نفس المصدر).
ولا يقف الصراع الانتخابي عند هذا الحد، بل إن هناك أمورا كثيرة تحدث في الخفاء.. ما معنى أن يدعو حزب العدالة والتنمية إلى إجراء انتخابات سابقة لأوانها في هذا التوقيت بالذات، ألا يمكن القول إن السياسيين يعرفون شيئا لا يعرفه المواطنون؟ كيف انتقلنا فجأة من الحديث عن “تعديل الحكومة” إلى الحديث عن الانتخابات ؟
يقول عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، والذي كان يتحدث في بداية الاجتماع الأسبوعي للمجموعة، المنعقد يوم الإثنين 8 يوليوز 2024: ((إن الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها لا يحكمها أي منطق حزبي أو محاولة إرباك الحكومة، بقدر ما هي دعوة إلى ممارسة ديمقراطية تعلي من قيمة المواطنين ومن أهمية ثقتهم في الأحزاب والحياة السياسية..
وأوضح بوانو بالمناسبة نفسها، أن قيمة ثقة الشعب هي التي جعلت بريطانيا وفرنسا تعرفان انتخابات برلمانية مبكرة خلال الأيام الماضية، مبرزا أن حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا، رجع إلى الشعب بعدما فقد ثقته في الانتخابات المحلية، وكذا حزب الرئيس ماكرون في فرنسا، رجع إلى الشعب بعدما مني بهزيمة في انتخابات برلمان أوروبا، ولم يجد أي حرج في العودة للشعب..
وأوضح رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أنه لا شيء يخيف في الانتخابات السابقة لأوانها لطلب ثقة المواطنين من جديد، مؤكدا أن الحكومة الحالية تسير الشأن العام الوطني بدون ثقة المواطنين، وارتكبت أخطاء كبيرة، نتجت عنها أزمات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في جميع القطاعات، حيث لم يخل أي قطاع من الاحتجاجات والإضرابات، ولم تقم بأي إجراءات ناجعة، خاصة في مجال دعم القدرة الشرائية التي انهارت بسبب ارتفاع التضخم، بالإضافة إلى تفاقم مؤشرات الفساد وتضارب المصالح، وتزايد نسبة البطالة، وتراجع المؤشرات الاقتصادية خلال النصف الأول من ولايتها.. كما أوضح بوانو في كلمته، أن الموقف من العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، كان له تأثير على الانتخابات المبكرة التي عرفتها كل من بريطانيا وفرنسا، وظهر ذلك – حسب بوانو – في فوز الأحزاب التي تضامنت مع غزة وفلسطين، وهزيمة الأحزاب التي دعمت إسرائيل، مجددا في السياق نفسه إدانة المجموعة لاستمرار العدوان الهمجي على غزة، ودعوة الشعب المغربي إلى مواصلة التضامن مع فلسطين بكل الوسائل والمبادرات الممكنة)) (المصدر: موقع حزب العدالة والتنمية).
بالنسبة لبوانو، ليس هناك دافع حزبي في الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها، لكن رائحة السياسة تفرض نفسها، من خلال حديثه عن “انتصار الأحزاب” الداعمة للقضية الفلسطينية في العالم، وطبعا ليس هناك أحسن من هذا التوقيت لإشهار القضية الفلسطينية، غير أن بوانو الذي يطالب بانتخابات سابقة لأوانها، لا يصل من حيث التفاؤل إلى المستوى الذي وصل إليه الأمين العام بن كيران(..).
فقد هاجم عبدالإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الائتلاف الحكومي ملمحا إلى أنه يستهدفه.. وعبر بن كيران في كلمة له بمناسبة اجتماع الأمانة العامة للحزب، عن مخاوفه من تحالف الأغلبية في الانتخابات التشريعية المقبلة وتأثير ذلك على مستقبله السياسي، وقال بن كيران أنه مستعد لمغادرة المشهد في أي لحظة إذا تأكد أن دوره قد انتهى، وتابع: ((هناك من يتساءل ماذا أفعل في هذا الحزب؟ ولكن نحن قمنا بالديمقراطية، والديمقراطية كلمة يصغر أمامها الإنسان ويجب أن تحترم، ويوم يريد الأمين العام أن يستقيل سيذهب بطريقة طبيعية.. وسأذهب في أي وقت أشعر فيه أنه لا دور لي..
واعتبر بن كيران أن السياسة ليست فقط انتخابات، وإنما قيم أيضا، وتابع: سنشارك في الانتخابات المقبلة وحتى إذا أمكن أن نتبوأ المقاعد الأولى فنحن لسنا ضد ذلك، مضيفا: كلامي لا يظهر أنه واقعي، لكن ليس ذلك على الله بعزيز، فالمهم ليس هذا، المهم هو أن يقوم الحزب بدور مشرف، وهو وراء تحريك الحياة السياسية تقريبا)) (المصدر: موقع الزنقة 20/ 7 يوليوز 2024).
بغض النظر عن التصريحات.. لا يبشر الواقع السياسي بخير، حيث تحول البرلمان إلى مسرح لانسحاب قوى المعارضة من ممارسة مهامها في رقابة الحكومة، والحكومة تفرض آراءها بتعنت غير مسبوق، حيث أن الخلاف حول أزمة الطب – على سبيل المثال – يتجه إلى الحسم في الشارع، بل إن الأمر اضطر لاستعمال خراطيم المياه لتفريق المحتجين بشكل مثير، بينما آليات الوساطة السياسية هي التي يفترض أن تتحكم في هذا النوع من الاحتجاجات، وقد حصل نفس الأمر في التعليم، وفي قطاعات أخرى..




