تحقيقات أسبوعية

تقرير | لماذا تتخوف الحكومة من تجريم الإثراء غير المشروع ؟

بين وزير العدل ورئيس الحكومة

عاد موضوع قانون تجريم الإثراء غير المشروع إلى الواجهة من جديد بعدما بادرت الجمعية المغربية لحماية المال العام، إلى إطلاق عريضة إلكترونية موجهة إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تطالب من خلالها بإخراج القانون من الثلاجة وتفعيل تجريم الإثراء غير المشروع.

الرباط. الأسبوع

    شكلت العريضة المطالبة بتفعيل “تجريم الإثراء غير المشروع”، خطوة جديدة لحماة المال العام في مواجهة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي يولي اهتمامه فقط بمدونة الأسرة ويعقد لقاءات مع منظمات وجمعيات نسائية بهدف الاستقواء بهم في مواجهة المحافظين، بينما يتهرب من الجلوس مع هيئات محاربة الفساد ونهب المال العام لأجل مناقشة مشروع “الإثراء غير المشروع”، الذي تزايدت المطالب حول تجريمه، خاصة بعد سقوط منتخبين كبار في قضية “إسكوبار الصحراء”، ومتابعة منتخبين ورؤساء جماعات في قضايا تتعلق بتبديد المال العام.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد قررت جمعية حماية المال العام التوجه إلى رئيس الحكومة بصفة مباشرة، وتفعيل مسطرة العريضة المدنية التي ينص عليها الدستور والتي تسمح بطرح موضوع يثير اهتمام الرأي العام لدى الحكومة من أجل التجاوب معه ومعالجته، خاصة بعد عريضة السرطان، التي سبق أن وجهت إلى رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، والتي ساعدت في تخفيض أسعار بعض أدوية السرطان.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبالرغم من الانتقادات التي وجهت للحكومة ورئيسها عزيز أخنوش، عقب قيام وزير العدل بسحب مشروع القانون الجنائي الذي يتضمن مقترحا لتجريم الإثراء غير المشروع المطروح منذ عهد الحكومة السابقة، حيث مرت حوالي ثلاث سنوات على تخزين هذا القانون في مكتبة وزارة العدل بعيدا عن النقاش أو طرحه في اللجنة المتخصصة للقيام بالتعديلات اللازمة، إلا أن المعارضة البرلمانية تعتبر المسؤولية ملقاة على عاتق رئيس الحكومة المطلوب منه التدخل لسحب بعض المشاريع المتعثرة من بعض الوزراء، خاصة ما يتعلق بالتشريع، كما فعل في حل مشكل مشروع النظام الأساسي الخاص بنساء ورجال التعليم، الذي كان وراء الأزمة.

فمطالب فعاليات مدنية والمعارضة الموجهة لرئيس الحكومة بتجريم الإثراء غير المشروع وتنزيله على أرض الواقع، تذكر بقضية الراسبين في امتحان المحاماة مع وزارة العدل، ودخول رئيس الحكومة على الخط لإعادة النظر في القضية بعد توصله بمراسلة من مؤسسة وسيط المملكة، قصد إنصاف الفئة المعنية، الشيء الذي يتطلب من أخنوش التجاوب مع النشطاء المدنيين وتوصيات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، التي بدورها تدعو إلى تجريم الإثراء غير المشروع وقانون التصريح بالممتلكات.

وقد أكدت جمعية حماية المال العام، أن المغرب سبق له أن صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهي الاتفاقية التي نشرت بالجريدة الرسمية، وضمن بنود هذه الاتفاقية ما يتعلق بضرورة اتخاذ الدول لتدابير قانونية لتجريم الإثراء غير المشروع (المادة 20 من الاتفاقية)، وقالت: “هذه المصادقة تضع التزامات على بلادنا والتي يتوجب عليها الوفاء بها”، حيث يطالب الموقعون على العريضة رئيس الحكومة، بضرورة تجريم الإثراء غير المشروع لما يشكله ذلك من أهمية في مكافحة الفساد والرشوة.

وفي هذا السياق، يقول صافي الدين البدالي، عضو المكتب الوطني للجمعية المغربية لحماية المال العام، أن “العريضة الحالية ذكرت رئيس الحكومة بأنه من ضمن بنود هذه الاتفاقية هو ضرورة اتخاذ الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، تدابير قانونية من أجل تجريم الإثراء غير المشروع”، مضيفا أن “المعركة التي تخوضها الجمعية ليست وليدة هذه العريضة، بل لها امتدادات منذ سحب مشروع القانون من البرلمان، وتأتي هذه العريضة المفتوحة في وجه كل المغاربة الراغبين في توقيعها، لتضع النقاط على حروف قانون تجريم الإثراء غير المشروع”.

من جهته، اعتبر بشير الراشدي، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن “الإثراء غير المشروع هو موضوع نقاش، غير أنه لم يعرف تقدما على مستوى الحكومة، مضيفا أنه لجعل المواطن المغربي يعيش في بيئة أكثر ازدهارا تسودها قيم النزاهة والشفافية، وجب تظافر الجهود مع إخراج قانون الإثراء غير المشروع لحيز الوجود”.

وأضاف بشير الراشدي، في ندوة بكلية العلوم القانونية بالمحمدية، أن “الإثراء غير المشروع يقتضي مواكبة تطور الثروة لدى الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية، ذلك أنه يجب الوقوف على الفترة التي كان فيها المعني بالإثراء غير المشروع في موقع المسؤولية، والذي بإمكانه استغلاله نحو امتيازات غير مشروعة”، مؤكدا أن “مواضيع من قبيل تضارب المصالح والتصريح الإجباري بالممتلكات، عرفت تقدما، إذ توجد مسودتان بخصوصها، غير أن الإثراء غير المشروع لم يعرف التقدم الإيجابي نفسه”، مشيرا إلى أن قانون الإثراء غير المشروع يعتبر أداة أساسية لمحاربة الفساد، خاصة وأن هناك فئة تحوم شبهات كبيرة حول ثرائها، وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا للمؤسسات والخيار الديمقراطي.

من جانبه، اعتبر عبد العزيز النويضي، مستشار الوزير الأول الراحل عبد الرحمان اليوسفي، أن التعديلات المقترحة على مشروع القانون الجنائي الخاصة بالإثراء غير المشروع، تتضمن ثغرات كبيرة، وأن هذا المشروع لا ينفع في شيء لأنه خال من أي عقوبة سجنية فيما يخص الإثراء.

وأكد النويضي في ندوة صحفية سابقة، أن “وزير العدل وهبي تجاهل اتفاقية الأمم المتحدة والاتفاقية الإفريقية والاتفاقية العربية، والتي تنص جميعها على التزام الدول بوضع تشريعات لمحاربة الفساد، مستغربا من وجود مقتضيات تنص على تجريم الإثراء غير المشروع في القانون التنظيمي الخاص بالقضاة، وانعدام وجودها على باقي جميع الموظفين، وخاصة كبار الموظفين الذين لهم سلطات واسعة ويمكن أن يستغلوا نفوذهم للإثراء الكبير.

وانتقد النويضي ربط الإثراء غير المشروع بالتصريح بالممتلكات، موضحا أن النظام الحالي للتصريح بالممتلكات في الأصل عاجز تماما، لأنه يكفي أن يصرح الشخص بممتلكاته في ظرف يوضع بالمجلس الأعلى للحسابات، وبعدها لا يفتح هذا الظرف ولا يتابع، في حين أنه من اللازم متابعة ثروة المصرح.

ولأجل تحريك هذا القانون في البرلمان، وضعت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية مقترحا حول منع الإثراء غير المشروع، ينص على ((يحكم بالسجن لمدة سنتين إلى خمس سنوات في حق كل مرتكب لجريمة الإثراء غير المشروع، إضافة إلى مصادرة جميع مكتسباته المنقولة أو العقارية والأرصدة المالية، وبعدم أهلية مزاولته جميع الوظائف أو المهام العمومية، إضافة إلى الحكم بعدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف أو المهام العمومية، ومن حق الانتخاب والترشح لمدة عشر سنوات)).

واقترحت مجموعة “البيجيدي” تسليط “عقوبات على كل من يثبت في حقهم، من المعنيين به، وهم كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري للممتلكات طبقا للتشريع الجاري به العمل، وكل شخص ذاتي، سواء كان معينا أو منتخبا بصفة دائمة أو مؤقتة، تُعهد إليه صلاحيات السلطة العمومية أو يعمل لدى مصالح الدولة أو الجماعات الترابية، أو المؤسسات أو المقاولات العمومية، سواء كان ذلك بمقابل أو دون مقابل، وكل من له صفة موظف عمومي أو من يعينه القضاء للقيام بمهام قضائية، إلى جانب الجمعيات والأحزاب السياسية والأشخاص المعنوية المتعاقدة مع الدولة بأي وجه كان”، وتضمن المقترح معاقبة الشخص المعنوي بإحدى العقوبات التكميلية بالمنع من المشاركة في الصفقات العمومية لمدة خمس سنوات على الأقل، أو نشر مضمون الحكم الصادر في حق الشخص المعنوي بأحد الصحف على نفقته، وحرمانه من المشاركة في الاستحقاقات الانتدابية لمدة 10 سنوات في حالة استعماله المكاسب المتأتية من جريمة الإثراء غير المشروع في الحملات الانتخابية.

وكشف تقرير لهيئة النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها حول “الإثراء غير المشروع”، أن رصد ومكافحة التطور غير المبرر للثروة هو من بين أهم الآليات التي تمكن من محاربة الفساد، مؤكدا أن الحاجة الموضوعية للاستفادة من آلية الإثراء غير المشروع واللحاق بركب الدول التي سبقتنا إليها، مشيرة إلى ما يخوله الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب من مستندات مرجعية لحماية المال العام، تتطلب تجريم الإثراء غير المبرر.

ودعت الهيئة إلى إفراد جريمة الإثراء غير المشروع بقانون خاص يضبط مقتضياتها الموضوعية والإجرائية، بما ينسجم مع انفراد هذه الجريمة بخصائص تميزها عن باقي جرائم الفساد الأخرى، وبما يمكن من حماية قيم المرفق العام القائمة أساسا على النزاهة والحياد وعدم إساءة استغلال الوظائف، وضمان نظافة المسؤوليات العمومية من أي شوائب.

ووضعت الهيئة تعريفا لهذه الجريمة بأن “الإثراء غير المشروع كل زيادة كبيرة في موجودات الموظف العمومي أو أولاده القاصرين أو المتكفل بهم، تطرأ بعد تولي الخدمة أو قيام الصفة، وكانت لا تتناسب مع موارده وعجز عن إثبات مصدر مشروع لها”، داعية إلى تحديد الجزاء المناسب للإثراء غير المشروع للحد من استشرائه في المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى