تقرير | قبل رمضان.. تقرير يكشف تدهور مستوى عيش المغاربة

ساهم التضخم والأزمة الاقتصادية في رجوع المغرب 8 سنوات إلى الوراء بخصوص مستوى الفقر والهشاشة، حسب ما توصلت إليه منظمة “أوكسفام”، حيث وجد 3.2 ملايين شخص أنفسهم تحت عتبة الفقر، مما أعاد المغرب إلى مستوى الفقر الذي تم تسجيله سنة 2014، وهكذا تبخرت 8 سنوات من الحرب على الفقر وقد تكون النتائج أسوأ إذا تم رفع الدعم عن بقية المواد الاستهلاكية التي يدعمها صندوق المقاصة.
الرباط. الأسبوع
سجل تقرير منظمة “أوكسفام” أن نسبة التضخم في المغرب بلغت مستويات قياسية في الربع الأول من سنة 2023، حيث قفزت إلى 9.4 في المائة مقابل 4 في المائة خلال الفترة نفسها من سنة 2022، ومع نهاية نفس السنة، قفز التضخم بنسبة 8.3 %، وهو أعلى مستوى له منذ ثلاثين عاما في البلاد، إذ أن من بين أسباب التضخم في المغرب، استمرار الجفاف، وأزمة “كوفيد”، وارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 42 %، والمواد الغذائية بنسبة 18.2 %، مما أثر بشكل كبير على الوضعية الاجتماعية للأسر المغربية فيما يتعلق بكلفة المعيشة والقدرة الشرائية في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار.
فقد دفع التضخم معدل الفقر إلى الارتفاع إلى 2.1 % العام الماضي، خاصة في المناطق القروية والنائية التي تعد الأكثر تضررا من ارتفاع معدلات الفقر، حيث ارتفعت نسبته من 6.7 % إلى 10.6 % مقارنة بالمناطق الحضرية التي ارتفع فيها من 1.2 % إلى 2.2 %.
وحسب معطيات التقرير، فخلال الفترة ما بين 2019 و2022، انخفض متوسط مستوى معيشة الأسر المغربية بنسبة 7.15 %، بينما انخفض متوسط الإنفاق للفرد بنسبة 7.2 % على المستوى الوطني، متراجعا من 20400 درهم إلى 18940 درهما، وبالتالي، خسر المغاربة في المتوسط 1460 درهما خلال 3 سنوات، لاسيما وأن المواد الغذائية تمثل أكثر من ثلث نفقاتهم، بحصة ثابتة عند 36.4 % من إجمالي الميزانية الأسرية، غير أن الكمية الإجمالية للمواد الغذائية انخفضت بنسبة 3.7 % لتصل إلى 7.148 دراهم نتيجة لانخفاض متوسط الإنفاق السنوي، وإذا كانت جميع الأسر المغربية تعاني من هذه الأزمة المعيشية، فالضرر الأكثر يقع على الأسر الفقيرة والتي تعاني الهشاشة، وسكان القرى والبوادي الذين يعانون بشكل غير متناسب من تأثير الارتفاع التضخمي.
ويؤكد التقرير أنه رغم التدابير الحكومية التي اعتمدها بنك المغرب، فإنه لم تتم استعادة ثقة الفاعلين الاقتصاديين، إذ مازال المناخ يتسم بالشكوك وبعدم اليقين، وبالتالي، فإن هذه الأزمة التضخمية تظل معرضة للخطر بشكل كبير، خاصة وأن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ينخفض بشكل حاد، حيث انخفض من 7.9 % عام 2021 إلى 1.2 % عام 2022، في حين ارتفع عجز الحساب الجاري من 2.3 % إلى 4.1 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يتوقع البنك الدولي تراجع النمو من 4.3 % إلى 3.5 % في سنة 2023، حيث يرجع سبب هذا الانخفاض إلى تدهور القطاع الزراعي بسبب الجفاف.
وأبرز التقرير أنه تم تسجيل انخفاض في معدل إنفاق الفرد على الغذاء بنسبة 11 % على المستوى الوطني في عام 2022، أي انخفاض بنسبة 10.1 % إلى 7.380 درهما في المناطق الحضرية و12.9 % إلى 5.320 درهم في المناطق القروية، وهكذا وقع أكثر من 3 ملايين شخص إضافي في الفقر (1.15 مليون) أو الضعف (2.05 مليون)، إذ تشير التقديرات إلى ضياع ما يقرب من ثماني سنوات من التقدم نحو القضاء على الفقر، ويجد المغرب نفسه عند مستوى الفقر الذي كان عليه في عام 2014، كما أن الميزانية الاستهلاكية للأسر المغربية لا تزال مرتفعة مقارنة بأسر في بلدان مثل إسبانيا وفرنسا وتونس.
فارتفاع التضخم له علاقة كبيرة بأزمة جائحة “كوفيد” والحجر سنة 2020، حيث أدت عودة نشاط الشركات إلى تزايد الطلب أكثر من العرض، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار، بعدما تسببت الجائحة في تعطيل الطرق التجارية بسبب عمليات الإغلاق في مختلف بلدان العالم، الشيء الذي أثر على ارتفاع تكلفة نقل البضائع والسلع، مما انعكس سلبا على مستوى أسعار السلع والخدمات، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة بسبب انخفاض الاستثمارات الطويلة الأجل في قطاع النفط وانخفاض مخزون النفط.
وقد حملت المنظمة مسؤولية هذا التراجع للشركات الكبيرة في قطاع المحروقات، التي استغلت الأزمة التضخمية التي يعرفها الاقتصاد المحلي وعززت هوامش أرباحها في سوق احتكارية متخصصة، إذ بالرغم من رأي مجلس المنافسة حول الأرباح المبهمة التي تراكمها شركات قطاع المحروقات، والتي أصدر بشأنها غرامة مالية (1.7 مليار درهم، أي 170 مليار سنتيم)، إلا أنها لم تكن في المستوى المطلوب بناء على أسعار المحروقات.
واعتبر التقرير أنه بالرغم من التدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومة للإنعاش الاقتصادي وتحقيق استقرار الأسعار وامتصاص صدمات التضخم، إلا أنها لم تكن كافية لاسترجاع ثقة الفاعلين الاقتصاديين، وتخفيف التأثيرات التي خلقتها الأزمة التضخمية، بحيث استفادت في المقام الأول الأسر الغنية والميسورة، لكون نظام الدعم الحالي يشمل جميع المستهلكين وليس الفئة المستحقة التي تعاني من ارتفاع المواد ذات الاستهلاك المنزلي، مما دفع ببنك المغرب، المسؤول عن السياسة النقدية، إلى تحديد سعر الفائدة في 3 % لحل أزمة التضخم، والتي كانت لها أسباب خارجية في البداية، لكنها سرعان ما تحولت إلى تضخم داخلي بسبب صدمات العرض المتداخلة، مثل الجفاف المستمر، وانخفاض الإنتاجية، والسياسة النقدية المتبعة في السوق المغربي، والتي تعتبر غير ملائمة للفئات الضعيفة والفقيرة، وتستهدف بشكل أساسي الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى السيولة الفائضة: البنوك، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار، والشركات الكبيرة، والمقرضين، وبشكل عام كل أولئك الذين يمكنهم تحقيق نفوذ مالي كبير.
وتابع التقرير توضيحه بأن الدولة واحدة من المستفيدين الكبار من تسارع وتيرة التضخم، بعدما ارتفعت الرسوم الجمركية بنسبة 16 %، وشهدت ضريبة القيمة المضافة على الواردات ارتفاعا في إيراداتها بنسبة 26 %، في حين زادت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة 17 %، بالإضافة إلى الإيرادات الضريبية، كما أن للتضخم تأثير إيجابي على وزن الدين العام، فوفقا للاستنتاج الرئيسي لتقرير مراقبة المالية العامة لصندوق النقد الدولي، بالنسبة للبلدان التي تتجاوز ديونها 50 % من الناتج المحلي الإجمالي، فإن كل زيادة غير متوقعة بنسبة 1 %، يؤدي التضخم إلى خفض الدين العام بنسبة 0.6 % من الناتج المحلي الإجمالي لعدة سنوات، وبذلك ستتمكن الدولة من الادخار خلال هذه الفترة على الأقل 6.18 مليار درهم على دين الخزينة الضخم الذي تجاوز 1000 مليار درهم.
وأشار التقرير إلى أن انخفاض نسبة التضخم في الربع الثالث من سنة 2023 بـ 4.7 % بعدما كانت 6.8 % في الربع الثاني، مرتبط بشكل أساسي بالانخفاض في أسعار المحروقات، ومنذ ذلك الحين امتد هذا الانخفاض إلى جميع المواد الاستهلاكية الرئيسية، إلا أنه باستثناء المواد الأكثر طلبا (الغذاء والطاقة)، فإن التضخم الأساسي لم ينخفض بشكل كبير، ويظل بعيدا عن الأهداف التي حددها بنك المغرب، داعيا إلى اتخاذ مجموعة من التدابير المتعلقة أساسا بتعزيز المنافسة في قطاع المحروقات، والشفافية الكاملة والفورية بخصوص هوامش ربح الشركات، وتحسين أجور الحد الأدنى، وتخفيف الضغط الضريبي والضريبة على القيمة المضافة بالنسبة للطبقة المتوسطة والضعيفة، إلى جانب الحد من تأثير التضخم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
من جانبها، أكدت المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الشهرية، أن معدل التضخم الأساسي ارتفع بـ 2.9 % في شهر يناير على أساس سنوي بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، التي تعد المحرك الرئيسي للتضخم في المملكة، وربطت المندوبية هذا التراجع في الشهر الأول من العام الجاري، بانخفاض أسعار بعض الخضر، وتوقف الارتفاعات القوية التي عرفها البنزين والغازوال في السابق.
وحسب المندوبية، فإن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك خلال شهر يناير الماضي، سجل انخفاضا بنسبة 6 % بالمقارنة مع الشهر السابق، مشيرة إلى أن الانخفاض نتج عن تراجع الرقم الاستدلالي للمواد الغذائية بنسبة 9 % والرقم الاستدلالي للمواد غير الغذائية بنسبة 3 %، موضحة أنه تم تسجيل انخفاضات في عدد من المواد الغذائية المسجلة ما بين شهري دجنبر 2023 ويناير 2024، ومنها على الخصوص أثمان الخضر بنسبة 9.6 %.
وعلى العكس من ذلك، ارتفعت أثمان السمك وفواكه البحر بنسبة 4.7 % والفواكه بنسبة 0.6 % والبن والشاي والكاكاو بنسبة 0.4 % واللحوم بنسبة 0.3 %، وفيما يخص المواد غير الغذائية، فقد هم الانخفاض على الخصوص أثمان المواد الصيدلية بنسبة 4.9 %، والمحروقات بنسبة 2.4 %.
ومن المتوقع أن تعرف أسعار المواد الغذائية ارتفاعا مع اقتراب شهر رمضان، مما سيؤدي إلى ارتفاع التضخم، خصوصا وأن الطلب على المواد الأساسية يكون أكثر مقارنة مع الأشهر الماضية، مما يدفع بعض التجار وشركات المواد الصناعية والغذائية إلى الزيادة في الأثمنة التي يتم توزيعها على المحلات التجارية، إلى جانب ارتفاع أسعار الأسماك واللحوم البيضاء والفواكه، بسبب غياب المراقبة وضعف قوانين حماية المستهلك من الأسعار.



