ربورتاج | “كوكايين الفقراء” ينخر أجسام الشباب والمراهقين

دقت فعاليات جمعوية ناقوس الخطر بسبب انتشار مخدر “البوفا” أو “كوكايين الفقراء” وسط الشباب والمراهقين، والذي يتم تسويقه وبيعه وسط الأحياء الشعبية أو بالقرب من المؤسسات التعليمية وفضاءات الترفيه والحدائق في غفلة من الأسر وأولياء المراهقين، وغياب حملات توعوية داخل المدارس ودور الشباب للتحسيس بخطورة هذه الآفة الخطيرة.
الرباط. الأسبوع
أطلق نشطاء حملة في مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو المجتمع المدني والسلطات الأمنية إلى التدخل والعمل على مكافحة انتشار مخدر “البوفا” الذي يهدد مستقبل الشباب وخاصة تلاميذ المؤسسات التعليمية، بعد تداول مقاطع فيديو في “الفايسبوك” و”تيك توك” حول انتشار تدخين هذا المخدر في صفوف الفتيان والفتيات.
وطالب النشطاء السلطات الأمنية وجمعيات المجتمع المدني، بالقيام بحملة أمنية وتوعوية لتحسيس المراهقين والشباب بخطورة هذه الآفة ومضاعفة الجهود الأمنية في محاربة مروجي “البوفا” وسط الشباب، وحث المراهقين على الابتعاد عن هذا الوباء الخطير الذي يهدد صحتهم النفسية والعقلية.
ودقت تقارير ناقوس الخطر حول تفشي الإدمان على مخدر “البوفا” وسط الشباب، مما يؤدي إلى أضرار صحية حادة على المدمنين وارتفاع حوادث العنف والإجرام وحالات الانتحار، بسبب تأثير هذا المخدر على عقول الشباب.
وأكدت التقارير أن مكافحة المخدر تتطلب تعزيز الأطر القانونية والمؤسسية، حيث أن فرض عقوبات أشد صرامة على المتاجرين في البشر، وخاصة أولئك المتورطين في تهريب الكوكايين أو الذين يتبين أنهم مسؤولون بشكل غير مباشر عن وفاة المستهلك، يشكل خطوة أولى مهمة نحو القضاء على هذه الآفة.
في هذا السياق، قال حسن البغدادي، رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة التدخين والمخدرات الأخرى بالمغرب، أن مخدر “البوفا” من خلال تخفيض ثمنه أصبح يتسع على نطاق أكبر تدريجيا بين المدن، حسب الكثافة السكانية والحركة المادية لها، بين تلامذة المؤسسات التعليمية والتكوين المهني ودور الشباب، وغيرها، حيث كشف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت – في جلسة برلمانية يوم 24 يوليوز 2023 – أن السلطات الأمنية سجلت 200 قضية تتعلق بمخدر “البوفا” بين سنة 2020 ومنتصف 2023، مضيفا أن هذا المخدر القاتل هو عبارة عن بقايا مخدر الكوكايين الذي يتم مزجه مع الأمونياك وخلطه بمشروبات كحولية، أو مخدرات أخرى كالحبوب المهلوسة أو الحشيش أو القرقوبي، وذلك رغبة منهم أو تحت الطلب للوصول إلى “نشوة” أو إحساس عابر تحت الطلب كالقوة الذهنية والجسدية والاندفاع من جهة، أو النوم العميق من جهة ثانية، مما يتسبب في بعض الحالات في ضعف القلب بشكل مباشر ورهيب ويغيب العقل ويسبب الهلوسات والأخطر أنه يتسبب في العجز الجنسي التام، أو حصول الموت المفاجئ، والسقوط في إدمانه لا يتعدى جرعتين أو ثلاثة على أبعد تقدير، كما أن متعاطيه قد يلقى حتفه بالانتحار أو بسمه القاتل في مدة قصيرة جدا للأسف..
واعتبر البغدادي أن “البوفا” أخطر على مستعمله حيث يحوله إلى وحش آدمي، إذ يغيب العقل تماما، ويعرف إدمان هذا المخدر انتشارا واسعا وغريبا بين شبابنا وناشئتنا، خاصة بعد وصوله إلى جنبات ووسط المؤسسات التعليمية والتكوينية، فهي ظاهرة وليدة اليوم، لكنها انتشرت بشكل فظيع وكل ذلك باسم التفتح والتحرر تارة، والعيش بعيدا عن مشاكل الحياة تارة أخرى، وهكذا تضيع الحقيقة المرة، كون الأمر يتعلق في جوهره بسياسة تسويقية محكمة نهجها لوبي صناعة وبيع وترويج هذا المخدر بغية استقطاب زبناء جدد وكثر لغاية في نفس يعقوب، عن طريق تنويع العرض بعيدا عن أعين الناس ودفعا لكل حرج وما يتبع ذلك من إغراء للضحايا عن طريق تنويع العرض والثمن.
وأكد نفس المتحدث، أن الجمعية الوطنية لمكافحة التدخين والمخدرات الأخرى بالمغرب، تتلقى عشرات المكالمات الهاتفية يوميا من طرف آباء وأمهات يعانون الأمرين بين ضياع الآمال المبنية على فلذات الأكباد الذين يصبحون مجرمين ومشكلين أخطر المشاكل في البيت، وثانيا التهديد من قبل فلذات أكبادهم من أجل توفير مبالغ لشراء المخدرات وبين والسرقة والكلام النابي، وغيرها من الموبقات الخارجة عن إطار الأسرة المغربية الملتزمة والسليمة والمسالمة، مشيرا إلى استمرار الظاهرة والتمادي في صم الأذان عن صراخ الأمهات، رغم أن نهج سياسة الهروب إلى الأمام يدفع بهذه التجارة إلى أن تتعدد وتتنوع في الخطر مع مرور الوقت بهدف الإيقاع بأكبر عدد ممكن من الضحايا حتى تصل الأمور إلى استنزاف المقدرات الأساسية للوطن والمتمثلة في شبابه، ومن ثم تهديد مشروعنا المجتمعي في غفلة منا، كما أن العقوبات الرادعة غير المؤبد أو الإعدام، لن تشفي غليل الأسر المكلومة في أبنائهم ضحايا هذا المخدر القاتل ولن توقف توسع هذا الخطر الذي يهدد المجتمع في صلبه وكيانه.
من جهتها، قالت نبيلة منير، رئيسة الجمعية المغربية لضحايا الإدمان والمخدرات: “مخدر البوفا يشكل خطورة كبيرة على الشباب بشكل خاص والمغاربة بشكل عام، مما دفع بجمعيتنا للقيام بحملات استعجالية طارئة داخل الأحياء الشعبية، نظرا للخطورة التي يشكلها هذا المخدر الملقب بكوكايين الفقراء، على الشباب والمراهقين، خاصة وأن سعره رخيص وفي متناولهم، الغرام الواحد بـ 50 أو 60 درهما بعدما كان الكوكايين يباع بـ 500 و600 درهم، ويمكن لشخصين أو ثلاثة الاشتراك في اقتنائه، مما سمح بوصوله إلى فئات كبيرة من الشباب”.
وأضافت ذات المتحدثة، أنه “في إطار الحملات التحسيسية التي نقوم بها في الأحياء، جرت العادة أن الشباب والمراهقين على الخصوص، يأخذون المنشورات بجدية، لكن هناك فئة أخرى من المراهقين والشباب غير مهتمين بموضوع الإدمان على البوفا، وعندما وضعنا نقاطا تحسيسية في الأحياء، فوجئنا بهؤلاء الشباب الذين كانوا غير مهتمين من قبل، يزورون الفضاءات التحسيسية وينتظرون دورهم للاستماع إليهم ومساعدتهم قصد تخطي الإدمان والبحث عن حل للوضع الذي يعيشونه، حيث نجد هذا المشكل لدى الشباب القاطنين في الأحياء الشعبية بشكل كبير”، مضيفة أن مخدر “البوفا” كارثة بجميع المقاييس، فهو يتسبب في انتشار مظاهر اجتماعية سيئة، كما أن هناك فتيات صغيرات تعرضن للحمل ويبعن أنفسهن من أجل “البوفا”، وأطفال يعيشون في الشارع بسبب تعاطيهم لهذا المخدر.
وأوضحت نبيلة منير، أن الجمعية المغربية لضحايا الإدمان والمخدرات خرجت للشارع بشكل استعجالي وطارئ للتحسيس بخطورة هذا المخدر، وكذا ببعض المؤسسات التعليمية، بعد أن وصلها – من خلال بعض التلاميذ – أن هناك من انقطعوا عن الدراسة بسبب تعاطيهم لهذا المخدر، مما يؤكد خطورته على فئة عريضة من الناس، خاصة في أوساط الشباب والمراهقين، منتقدة قيام بعض الأشخاص بالترويج لتركيبة وكيفية صناعة “البوفا” في مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يكون في متناول بعض القاصرين والمراهقين، داعية إلى تحريك المتابعة القانونية في حق الأشخاص الذين يقومون بهذا العمل الجرمي.
وشددت نفس الفاعلة الجمعوية على ضرورة الردع القانوني وفرض عقوبات حبسية مشددة في حق الأشخاص الذين يروجون ويبيعون “البوفا”، لكون هذا المخدر يشكل خطرا كبيرا على الصحة النفسية والعقلية لمتعاطيه، وله تداعيات خطيرة على الأسر والمجتمع ككل، مطالبة بتوفير مختصين نفسانيين في المؤسسات التعليمية لفائدة تلاميذ السلك الابتدائي والإعدادي بالخصوص، قصد مرافقة الطفل ومعرفة مشاكله النفسية والاجتماعية التي يعيشها لوحده حتى لا يتحول إلى مدمن ومنحرف، وبالتالي، نحافظ على أجيال الغد.
وحسب تقرير لمعهد الدراسات الأمنية في إفريقيا، فإن الأزمة الاقتصادية أدت إلى انتشار “البوفا”، موضحا أن “هناك أوجه تشابه بين اليونان والمغرب، حيث انتشر هذا المخدر في اليونان بسبب الأزمة الاقتصادية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بينما تزامن انتشاره في المغرب مع ظهور فيروس كورونا”.
وأضاف التقرير أن التجار بدأوا في خلط نفايات الكوكايين مع منتجات أخرى، مما أدى إلى خفض السعر وجعله في متناول عدد أكبر من الشباب، حيث تم إدخال العديد منهم إلى مراكز إعادة تأهيل مدمني المخدرات، ويوجد حاليا أكثر من 3000 مدمن مسجلين في هذه المراكز الواقعة في شمال المغرب.
وشدد التقرير على أن الطريق للقضاء على هذه الآفة ما يزال طويلا في ظل استمرار انتشار مخدر “البوفا” الرخيص والمدمر، داعيا إلى التحرك السريع واتخاذ إجراءات فعالة لمواجهة هذا التحدي الصحي والأمني الخطير حتى يتسنى للمغرب الحفاظ على استقراره وسلامة مواطنيه.
للإشارة، ففي الفترة ما بين غشت وشتنبر من العام الماضي، تم إلقاء القبض على 112 من تجار المخدرات من نوع “البوفا”، وتم ضبط ما يقرب من 1413 كلغ من المخدرات في عملية منسقة شملت مختلف المدن المغربية، كما أدى تدخل إنفاذ القانون إلى تفكيك ست حلقات مخدرات إجرامية تعمل في جميع أنحاء البلاد، وفي يوليوز 2023، تم إلقاء القبض على 15 شخصا بالدار البيضاء بعد العثور بحوزتهم على الأدوات والمكونات اللازمة لتصنيع “البوفا”.




