تحقيقات أسبوعية

متابعات | هل يفرض تراجع مؤشر الشفافية حملة وطنية ضد الفساد ؟

في ظل الحملة الوطنية القضائية والأمنية لمحاربة الفساد ومتابعة العديد من المنتخبين والنواب البرلمانيين في قضايا ذات الارتباط بالشأن العام، كشف تقرير منظمة الشفافية الدولية عن تراجع المغرب بـ 4 درجات في مؤشر مدركات الفساد، أي إلى الرتبة 97 عالميا والتاسع عربيا بـ 38 نقطة من أصل 100 نقطة.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

    يرى بعض المحللين، أن الملاحقات القضائية التي طالت البعض في قضايا فساد وغيرها خلال الفترة الأخيرة، تهدف إلى إعادة الثقة في المجتمع وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما اعتبرها آخرون سحابة عابرة ومحدودة قد تقتصر على البعض فقط، مثلما حصل في السنوات الماضية من متابعات في حق بعض المنتخبين الكبار وبعض مسؤولي المؤسسات، حفاظا على سمعة هذه المؤسسات والرد على التقارير الرسمية السلبية التي تكشف تفشي الفساد في العديد من القطاعات المرتبطة بتدبير الشأن العام، خاصة لدى المؤسسات المنتخبة بالخصوص.

فمع بداية سنة 2024، أحيلت ملفات العديد من الأسماء البارزة على الساحة الوطنية، سواء في مجال السياسة أو المال والأعمال أو الرياضة، على القضاء في ملفات مختلفة، لكن في مضمونها مرتبطة بالمال العام واختلالات في الصفقات العمومية والمصلحة الخاصة، حيث أصبحت اللائحة تضم برلمانيين حاليين ينتمون للأغلبية والمعارضة ورؤساء جماعات، تم تحريك المتابعة في حقهم بناء على تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، وتقارير المجالس الجهوية للحسابات.

فبالنسبة لتراجع المغرب في مؤشر الفساد، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، صرح محمد المسكاوي، رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، أنه مع الأسف بقي المغرب في نفس الرتبة المسجلة خلال السنة الماضية، في النقطة 38 على 100، أي أننا لم نصل بعد إلى المرتبة المتوسطة، ويبقى أهم تنقيط تم تسجيله لبلادنا هو سنة 2018، 43/ 100، أي أن مؤسسات الدولة لم تطور من أدائها بوتيرة تضمن النسق التصاعدي في مؤشرات الفساد، مستغربا “التغييب التام لملف مكافحة الفساد في أجندة الحكومة الحالية”، حيث لم يتم لحد الساعة عقد اجتماع اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد التي يترأسها رئيس الحكومة، خاصة وأن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد – حسب ما خطط لها – ستنتهي سنة 2025، والتي كان من سوء حظها تزامن جزء من برامجها مع جائحة “كوفيد”، الشيء الذي أدى إلى عدم تنفيذها أيضا بالشكل الكامل، ناهيكم عن الملاحظات المسجلة من أجل تطويرها، بل أقصى ما قامت به الحكومة هو سحب مشروع القانون المتعلق بالقانون الجنائي الذي تضمن في بعض بنوده الإثراء غير المشروع.

محمد المسكاوي

وأضاف المسكاوي، أن نفس الأمر ينطبق على البرلمان، إذ لم نلاحظ خلال هذه المدة أيضا، أي ضغط قوي من أجل مناقشة مقترحات القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، مما يدفعنا في الشبكة إلى التأكيد أن أجهزة الدولة مازالت لا تمتلك الإرادة السياسية الحقيقية لمكافحة الفساد باستثناء بعض الاعتقالات التي حصلت مؤخرا لبعض الشخصيات التي تتحمل المسؤولية العمومية، والتي نتمنى أن تتحول من منطق الحملات إلى واقع تطبيق القانون بشكل يبرهن على ربط المسؤولية بالمحاسبة كمبدأ دستوري.

وبالنسبة للآليات التي يجب اتخاذها من أجل مكافحة الفساد، شدد المسكاوي على ضرورة تحريك الملفات الراكدة بالمحاكم منذ سنة 2002، وكذا الملفات التي أحالها المجلس الأعلى للحسابات على النيابة العامة، ودعم السلطات القضائية المختصة بكل الوسائل لممارسة عملها، ثم على المستوى التشريعي، لا بد من منظومة قانونية تستلهم مبادئها من الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي صادق عليها المغرب سنة 2007، ومن بين هذه القوانين القانون المتعلق بمكافحة غسل الأموال، حيث يجب الرفع من العقوبات التي لا تتجاوز خمس سنوات كعقوبة سجنية، وهي جزاءات غير كفيلة للردع ولا تساهم في تبني مفهوم عدم الإفلات من العقاب، وطالب بتطوير ومراجعة العديد من القوانين التي قد تساهم في مكافحة الفساد، من أبرزها قوانين التصريح بالممتلكات التي جاءت متشتتة في ثمانية قوانين، بالإضافة إلى المرسوم المتعلق بتحديد نموذج التصريح بالممتلكات ووصل التسلم، وبالحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها، حيث كان بالإمكان أن تجمع هذه النصوص في قانون واحد مفصل يحدد المسؤولين وكيفية التصريح، والقانون المتعلق بحماية الشهود فيما يخص جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ لم يضع ضمانات واضحة ضد المبلغين وحمايتهم من الانتقام والتعسفات والمتابعات القضائية كما حصل في ملف تبادل العلاوات، إضافة إلى ضرورة التفعيل السليم لتدابير الحماية الأمنية للشهود بما يضمن انخراط المواطن في التبليغ على جرائم الرشوة، وقانون الحق في الوصول للمعلومة، يجب أن تتوسع لائحة الهيئات والمؤسسات المعنية بهذا القانون والواردة في المادة 2 منه، بحيث تضم المقاولات الخاصة وكل التنظيمات، من جمعيات ونقابات ومؤسسات إعلامية وأحزاب سياسية، التي تحصل على دعم مالي عمومي، أو التي تتولى إنجاز مشاريع لها وتستفيد من هذا الدعم.

بدوره، قال محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام: “إن الفساد والرشوة ونهب المال العام والريع تغول في البلاد، لذلك لا بد من يقظة مؤسساتية ومجتمعية، من فاعل سياسي ونقابات وجمعيات وإعلام ومدرسة، لأن الفساد يشبه في خطورته الإرهاب، إذا تجندت الدولة للإرهاب يجب أن تتجند للفساد، وتحارب الرشوة وتتصدى للصوص المال العام، لأنهم تجاوزا الحدود ولابد من ردعهم”، فبعد قضية “إسكوبار الصحراء”، التي كشفت كيف أن جزء من النخبة السياسية المعول عليها لإعلاء المصالح العليا للمواطنين والمجتمع، وضعت يدها في يد شبكات الاتجار في المخدرات، كتعبير ومؤشر على وصول الفساد لمستويات خطيرة لم يعد السكوت عنه أو التسامح معه مقبولا، يوضح الغلوسي، مضيفا أن المرحلة تقتضي وضع تشريعات وقوانين للتصدي للرشوة والفساد، وعلى الدولة أن تستخدم إمكانياتها وصلاحياتها للتصدي له بالإرادة الحقيقية، والتصدي للجهات التي تستولي على المؤسسات وتستغلها لمصالحها الشخصية والمصالح الضيقة، وذلك بهدف المضي قدما، مشددا على ضرورة القضاء على الفقر والبطالة وتعزيز الإدارة لخدمة المواطن، والسلطة القضائية المستقلة، وقيام البرلمان بممارسة الرقابة وعدم احتضان الهاربين من العدالة، وإنهاء الرشوة والفساد والسير نحو بناء دولة الحق والقانون.

محمد الغلوسي

وقال نفس المتحدث: “الحملة الأمنية والقضائية التي انطلقت اليوم ضد الفساد، أمر مهم وإيجابي، ولا بد أن تستمر، وأن تكون بدون تمييز وبدون انتقائية وفي مجالات متعددة وفي مدن مختلفة، فالرأي العام اليوم أصبح يناقش القضايا التي لها علاقة بالفساد والرشوة وتخليق الحياة العامة، ونتمنى أن تستمر هذه الخطوة وتصل إلى كل لصوص المال العام والمفسدين، وأن تتبع إجراءات لحجز ممتلكاتهم ومصادرتها”، وشدد على “ضرورة وضع استراتيجية متعددة الأبعاد للوقاية من الفساد ومكافحته مع ما يتطلبه ذلك من إصلاحات سياسية ومؤسساتية وقانونية تروم القطع مع الإفلات من العقاب وتجريم الإثراء غير المشروع وبناء أسس دولة الحق والقانون”.

بدوره، سجل مرصد الشمال لحقوق الإنسان بأسف شديد استمرار تراجع المغرب في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية والذي يهم 180 دولة، إلى الرتبة 97 سنة 2023، بعدما كان قد صنف خلال سنة 2022 في الرتبة 94، وفي سنة 2021 بالرتبة 87، وفي 2020 بالرتبة 86، وفي 2019 بالرتبة 80، وفي 2018 بالرتبة 73، وفي 2017 بالرتبة 81، وهو المؤشر الذي يرصد: الرشوة وتحويل الأموال العامة إلى غير مقاصدها الأصلية، استعمال المسؤولين للمنصب العام لتحقيق المكاسب الخاصة دون مواجهة العواقب، قدرة الحكومات على احتواء الفساد في القطاع العام، استعمال الواسطة في التعيينات في الخدمة المدنية، الحماية القانونية للأشخاص الذين يُبلغون عن حالات الرشوة والفساد، واستيلاء أصحاب المصالح الضيقة على الدولة..

وأضاف المرصد، أن هذه الأرقام تتقاطع مع مؤشر ثقة الشباب في المؤسسات لسنة 2023 الصادر عن مرصد الشمال لحقوق الإنسان، إذ يعتبر 96 % منهم أن الرشوة منتشرة بشكل كبير في المغرب، مؤكدا على أنه رغم سن المغرب مجموعة من التشريعات القانونية المهمة من أجل الحد من محاربة الفساد، إلا أن آليات التطبيق تبقى محدودة ودون الآمال المرجوة بسبب مجموعة من العوائق، خصوصا بعدما أصبح الفساد في المغرب بنيويا يستشري في العديد من القطاعات المهمة والحساسة بما في ذلك التي كان يرجى منها المساهمة في الحد منها.

وأوضح المرصد أنه سبق أن دعا في سنة 2021 إلى وضع استراتيجية تقوم على سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وغسل الأموال، بحيث أن سيادة القانون تشكل الوسيلة الأساسية من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان في المجتمعات، باعتبارها آلية إعمال لتلك الحقوق وتحويلها من مجرد مبدأ إلى حقيقة واقعة، من جهة، ومن جهة ثانية، فإنها مبدأ أساسي للحكامة، يكون فيها جميع الأشخاص والمؤسسات، بما في ذلك الدولة ذاتها، مسؤولين أمام القوانين الصادرة عنها، وتطبق بالتساوي ويحتكم في إطارها إلى قضاء مستقل، وتتفق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما نبه إلى أن الفساد يشكل معضلة كبيرة وخطيرة لأنه يهدد مبدأ سيادة القانون، ويقوض أمن واستقرار المجتمعات، فيما تشكل جريمة غسل الأموال، باعتبارها شكلا من أشكال الفساد، أحد أخطر أنواع الجرائم المنظمة ذات الطابع الاقتصادي، متأسفا بشكل كبير على القضاء لحفظ الشكايات التي يتقدم بها المرصد بخصوص اشتباه الفساد أو العمل على إحالتها على البحث القضائي لسنوات طويلة دون أن يبت فيها، مما يكرس سياسة الإفلات من العقاب.

وفي هذا الصدد، تقدمت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمقترح قانون جديد يصب في اتجاه محاربة الفساد ومنع الإثراء غير المشروع، قائلة – في مذكرة تقديمية – أن المغرب انخرط في دينامية محاربة الفساد مبكرا من خلال آلية التصريح بالممتلكات بالنسبة للمسؤولين العموميين، وذلك لرصد أي زيادة محتملة وغير مبررة في ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح، منتقدة قيام الحكومة سنة 2022 بسحب القانون الجنائي بدون مبرر موضوعي، مما أوقف مسار التأهيل التشريعي في هذا المجال، وأعطى إشارات سلبية على المستوى السياسي، وأظهر أن الحكومة غير مهتمة بمكافحة الإثراء غير المشروع، وبمحاربة الفساد بشكل عام.

وأوضحت المجموعة النيابية، أن دوافع تقديم مقترح القانون، تتجلى في تراكم مظاهر الاستغلال السيء للوظيفة العمومية من طرف المسؤولين السياسيين، وكذا الموظفين العموميين ذوي المسؤوليات الملزمين بالتصريح بالممتلكات، وبروز مظاهر الإثراء غير المبرر لهؤلاء المسؤولين، منتخبين وإداريين، داعية إلى منح مهام البحث والتحري في الإثراء غير المشروع للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وفرض عقوبات على كل من يثبت في حقهم، من المعنيين به، وكل شخص ملزم بالتصريح الإجباري للممتلكات طبقا للتشريع الجاري به العمل، وكل شخص ذاتي، سواء كان معينا أو منتخبا بصفة دائمة أو مؤقتة، تعهد إليه صلاحيات السلطة العمومية أو يعمل لدى مصالح الدولة أو الجماعات الترابية، أو المؤسسات أو المقاولات العمومية.

واقترحت المجموعة معاقبة كل مرتكب لجريمة الإثراء غير المشروع، بالسجن مدة سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 100000 إلى 1000000 درهم، بالإضافة إلى الحكم بعدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف أو المهام العمومية ومن حق الترشح لمدة عشر سنوات، كما يعاقب كل شخص اقترح هدية وكل شخص خاضع لأحكام هذا القانون قبل هدية، خلافا لأحكام هذا القانون، بغرامة تعادل قيمة الهدية المتحصل عليها إذا كانت قيمة هذه الأخيرة أقل من 100000 درهم، مع الحكم بمصادرة الهدية لفائدة الدولة.

وفي حالة الحكم بالإدانة، طالبت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، بمصادرة جميع المكتسبات المنقولة أو العقارية والأرصدة المالية أو بعضها، للمحكوم عليه، والمتأتية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من جريمة الإثراء غير المشروع ولو انتقلت إلى ذمة مالية أخرى، سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو تم تحويلها إلى مكاسب أخرى، مع مراعاة حقوق الغير الذين ثبت تصرفهم بحسن النية، بالإضافة إلى معاقبة كل شخص معنوي يقوم بإخفاء أو استعمال مكاسب متأتية من جريمة الإثراء غير المشروع أو بحفظها من أجل إعانة مرتكبها، بغرامة مالية تعادل قيمة المكاسب غير المشروعة موضوع الجريمة، وبالمصادرة والمنع من المشاركة في الصفقات العمومية لمدة خمس سنوات على الأقل، أو نشر مضمون الحكم الصادر في حق الشخص المعنوي بأحد الصحف على نفقته، أو حرمانه من المشاركة في الاستحقاقات الانتدابية لمدة 10 سنوات في حالة استعماله المكاسب المتأتية من جريمة الإثراء غير المشروع في الحملات الانتخابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى