
بالرغم من الأفلام والقصص التي صدرت حول رواية “شيخة” العيطة خربوشة، وصراعها مع القائد عيسى بن عمر، حاكم جهة عبدة خلال فترة الحماية الفرنسية، والتي لازال الفنانون المغاربة يرددون أغانيها ويعتبرونها مؤسسة فن العيطة، الذي يعد من الفنون الشعبية التي انتشرت بشكل كبير في جهة عبدة والشاوية، إلا أن اقتحام الفنانة دنيا باطمة لهذا النوع من الفن الشعبي ومحاولتها تقليد خربوشة، جر عليها متابعة قضائية جديدة من قبل أحفاد القائد.
الرباط. الأسبوع
اتفق أحفاد القائد عيسى بن عمر، الذي حكم منطقة عبدة خلال عهد الحماية بيد من حديد، عبر جمعية “حفدة القائد عيسى بن عمر” على ملاحقة الفنانة دنيا باطمة لدى القضاء، خلال فترة إقامتها بسجن الوداية بمراكش لأداء عقوبة حبسية لمدة سنة في قضية حساب “حمزة مون بيبي”، بعدما رفضت محكمة النقض طلب الطعن الذي تقدمت به سابقا، قصد إسقاط العقوبة الحبسية عنها وإعادة البت في القضية.
وتعود تفاصيل هذه القضية عندما وضع أحفاد القائد عيسى شكايتهم يوم 13 دجنبر الماضي، عبر محامية بهيئة الدار البيضاء، إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية، لفائدة كل من “ر. ح” و”ع. بن عيسى”، ومجموعة من الحفدة، أسماؤهم موجودة بالشكاية، نيابة عن حفدة القائد عيسى بن عمر، معتبرين في شكايتهم التي تقدموا بها للقضاء، أن الفنانة باطمة أساءت لجدهم من خلال أدائها لأغنية “خربوشة” القديمة، بحيث تم الاستماع إليهم من قبل مصالح الدرك الملكي بدار بوعزة، قبل الاستماع إلى أقوال الفنانة المعتقلة في سجن الوداية بمراكش في موضوع القضية.
في هذا السياق، يقول محمد بن عيسى بن عمر، رئيس “جمعية حفدة القائد عيسى”، أن الدعوى القضائية جاءت بسبب تجاوز أغنية الفنانة دنيا باطمة للحدود والإساءة للعائلة، مما تسبب في ضرر كبير لهم، خاصة وأنها لقيت انتشارا كبيرا في مواقع التواصل الاجتماعي عكس الأغاني السابقة التي كانت محدودة، ولم تكن حينها العائلة مجتمعة للدفاع عن صورتها وسمعتها أمام الناس، خاصة وأن الكثير من الأقرباء والأصدقاء عبروا عن تذمرهم من صدور هذه الأغنية التي مست حياة جدهم وأحفاده.
واعتبر محمد بن عيسى، أن رواية “خربوشة” مجرد “حكاية خيالية” من وحي خيال المستعمر، مثل قصة “عائشة قنديشة”، وغيرها من الحكايات الغير موجودة في الواقع، لأن “خربوشة تظل مجهولة وليس لديها أقرباء، أعمامها أو أخوالها، يدافعون عنها” حسب قوله، مضيفا أن جدهم القائد عيسى بن عمر كان رجلا محافظا ولا يصدر أحكاما على الناس كما يروج البعض، بل كان يكلف عدلين بالنظر في القضايا وإصدار الأحكام، بينما كان يبسط سلطته الإدارية على المناطق التابعة له من تانسيفت والرحامنة إلى منطقة بحر أسفي، حيث كانت بعض القبائل تتمرد وترفض الخضوع للقيادة والحكم مثل منطقة أولاد زايد، “الكاب” حاليا.
وأوضح محمد بن عيسى، أن أحفاد القائد لم يختاروا توقيت اعتقال الفنانة باطمة لكي يتقدموا بهذه الشكوى للقضاء، بل كانت مبرمجة من قبل العائلة إلى حين أخذ موافقة الجميع والقيام بالإجراءات اللازمة، متمنيا إطلاق سراحها من السجن وتقديم اعتذار علني للعائلة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول ما صدر منها من إساءة لأحفاد القايد عيسى في أغنيتها الأخيرة.
وأبدى المتحدث رغبته في تدخل الجهات الوصية للاهتمام وترميم قصبة القائد عيسى بن عمر، التي طالها النسيان وتتعرض للانهيار، وتحتاج إلى العناية والإصلاح للحفاظ عليها، خاصة وأنها تعتبر تراثا مغربيا أصيلا مسجلا منذ سنة 1953، وتعد من أكبر القصبات على الصعيد الوطني.
وبحسب الشكاية، فقد فوجئ حفدة القائدة عيسى بفيديو منشور على “اليوتيوب” تغني فيه دنيا باطمة أغنية تصف فيها جدهم القائد عيسى بن عمر، بشتى أنواع “الدناءة والحقارة، ومنهالة عليه بوابل من السب والشتم، وتطعن في ذمته وشرفه، وتعرضه لسيل من الاتهامات”، متهمين إياها بنشر “الادعاءات الزائفة والوقائع الكاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة لجد العارضين والتشهير به والإضرار بسمعته، ضاربة بعرض الحائط كل المبادئ والأخلاق والمثل، وذلك من أجل الكسب والاسترزاق على حساب سمعة العارضين التي يعرفها القاصي والداني، باعتباره كان وزيرا للخارجية، وقائدا، وأول مقاوم في المغرب للاحتلال الفرنسي الذي وضعه آنذاك تحت الإقامة الجبرية بمنزله بسلا”.
وأكد دفاع المشتكين، أن “ما قامت به المغنية من ادعاءات ماسة بالاعتبار والشرف والكرامة، يشكل فعلا جرميا، وجنحة والسب والقذف في حق ميت، منصوص عليه وفق مقتضيات الفصول 442، 443، 444، 1/447 و2/447 من مجموع القانون الجنائي، ولأن الاعتداء الذي تعرض له جد العارضين سبب لهم أضرارا مادية ومعنوية جسيمة، مما تكون معه العناصر التكوينية للجنح المذكورة، قائمة في حق المشتكى بها، المغنية دنيا باطمة”، ملتمسا من النيابة العامة إعطاء تعليماتها للضابطة القضائية من أجل استدعاء المشتكى بها، والاستماع إليها في محضر قانوني في حالة اعتقال، نظرا لخطورة الأفعال الجرمية التي اقترفتها، وإشعار العارضين بتاريخ الجلسة لينصبا نفسهما مطالبين بالحق المدني.
وخلقت الفنانة دنيا باطمة جدلا كبيرا بسبب أغنية “خربوشة”، على الصعيد الوطني كما الخارجي، حيث أثارت موجة غضب كبيرة وسط الجزائريين بسبب وضع مخرج الأغنية لصورة الأمير عبد القادر الجزائري في ملصق الأغنية مكان صورة القائد عيسى بن عمر، مما جعل الفنانة تتعرض لموجة من الانتقادات والتبليغات عن الأغنية التي أصبحت الأكثر مشاهدة في منصفة “اليوتيوب” بالمغرب وفي عدة دول عربية، بحيث أسفر تركيب صورة المقاوم الجزائري عن حذف الأغنية من منصة “اليوتيوب”، بسبب انتهاكها للحقوق واستعمالها صورة خارج العمل، الأمر الذي دفعها إلى تعديل الإخراج وإعادة نشر الأغنية من جديد لتفادي المنع.
وقبل اعتقالها، خرجت الفنانة دنيا باطمة في شريط فيديو بحسابها على موقع التواصل الاجتماعي “إنستغرام”، تطلب الصفح والعفو من الملك، بعد صدور قرار محكمة النقض الذي زكى حكم الإدانة الصادر في حقها، معبرة عن رغبتها في البقاء خارج أسوار السجن وتربية بناتها، وبكونها تعرضت للظلم من قبل البعض بسبب نجاحها في مسيرتها الفنية.
وتروي أغنية “خربوشة” التاريخية قصة صراع قبيلة أولاد زايد مع القائد عيسى بن عمر، الذي كان يحكم منطقة عبدة قبل الحماية الفرنسية، ودخل في صراع مع سكان هذه القبيلة، الذين رفضوا الخضوع لحكمه ولسياسته الضريبية، حيث شكلت خرجة المغنية الشعبية حادة الزيدية، الملقبة بـ”خربوشة”، صرخة مدوية نيابة عن قبيلتها ضد الظلم والقهر الذي مارسه الرجل عليهم، حيث كانت تلعب دورا حماسيا في تحريض أبناء القبيلة ورجالها ضد القائد المخزني الذي شن حربا على القبائل المتمردة عليه خلال حكم السلطان عبد العزيز (1894 إلى 1908).
وحسب العديد من المصادر، فإن القائد عيسى تمتع بالنفوذ الكبير والصلاحيات الواسعة، وكان له وزن كبير عند المخزن، إلا أنه كان رافضا للتعاون مع الاستعمار، حيث قال عنه الصحافي الفرنسي أوجين لوبان، بعد زيارة قام بها إلى عبدة عام 1902، أنه ((من أكبر رؤساء المغرب، وأن عائلته توارثت الحكم لمدة 60 سنة، وأن السلطان مولاي عبد العزيز مده بظهير ليبسط سلطته على دكالة، واحمر، والشياضمة، لتنضاف إلى عبدة)).
ويقول عنه الشيخ العلامة سيدي المختار السوسي: ((لولا ثورة قبيلة أولاد زيد وأهلها لما اشتهر هذا القائد كل هذه الشهرة، والسبب: حادة الزيدية المشهورة باسم خربوشة، هذه المناضلة التي وقفت شوكة في حلق أقوى قياد زمانه، فالكثير من الناس يعتقدون أنها كانت شيخة تغني وترقص في الأعراس والحفلات، والحقيقة ليست كذلك، بل كانت مناضلة وشاعرة قبيلتها، تنظم الكلام لتشعل حماس الثوار وتحرضهم ضد بطش القائد وظلمه وجبروته وقهره لقبيلة أولاد زيد التي تنتمي إليها حادة، بعد أن استحوذ بالقوة على أراضيهم وماشيتهم وتضييق الخناق عليهم، فهرب من هرب منهم وانتفض من انتفض، فخرجت حادة والتحقت بصفوف الثوار والاجتماع بهم خلسة آناء الليل لتؤجج حماسهم بشعرها)).
وفي كتاب قائد عبدة، كتب عنه مصطفى فنيتير: ((إن القائد عيسى بن عمر العبدي كان المرشح الوحيد داخل هذه الهيئة المخزنية لوزارة البحر، لسبب وجيه، كان يتصف بتحكمه في مدينة أسفي، باعتبارها مقرا للجاليات الأجنبية، ومنها كان يباشر الحوار مع النائب الألماني، حسب ما رواه إدريس منو، الذي كان محور المداولات بين برلين والسلطان المولى عبد الحفيظ))، مضيفا أن ((عيسى بن عمر العبدي ارتقى لمستوى وزير، يصفه صاحب “الدرر اللفظية” بنوع من الإطناب فيقول عنه: “صدر الوزارة البحرية… محرز سياسة الحواضر والبوادي” واستلزمت منه مسؤولية الوزارة الانتقال إلى الحاضرة المراكشية، فأسند لابنه أحمد ومحمد مسؤولية النيابة عنه وخلافته، الأول بأسفي وقبيلة البحاثرة، والثاني بقبيلة العامر)).



