المنبر الحر

المنبر الحر | الممارسة السياسية بين المنطق واللامنطق

بقلم: بنعيسى يوسفي

    العالم عصي على الفهم، لذلك فالعلماء والفلاسفة لم يستطيعوا فك شيفراته وطلاسيمه كلها منذ الأزل إلى اليوم، فكلما اعتقدوا أنهم جسروا الهوة بينهم وبينه اكتشفوا أنه يزداد عنهم بُعدا، وكلما ظنوا أنهم أمسكوا بإحدى مداميكه أو خيوطه ازداد انزياحا عنهم، ويجدون أنفسهم لا يمسكون إلا بسراب بقيعة.

فلكي تتمكن من المنطق فالأمر ليس باليسر الذي يظنه البعض، بل الأمر يتطلب الكثير من الفهم والتحليل والقواعد المنطقية التي ينبني عليها، ويجب في سبيل ذلك أن تمر على كتابات الفلاسفة الأولى في هذا السياق من أرسطو مرورا بابن رشد وصولا إلى باشلار وكانط وشوبنهاور وآخرين، هذا على الأقل إذا أراد المرء التحكم في الأسس النظرية والفكرية والفلسفية للمنطق، أما إذا آثر التعمق أكثر فيه، فما عليه إلا التوغل في قواعده العلمية كما هي مرسومة عند علماء الرياضيات والفيزياء والهندسة وباقي العلوم، هنا يمكن للإنسان أن يروي ظمأه بهذا الخصوص ويشفي غليله، وبالتالي، قد يستطيع أن يؤسس لنفسه حدا أدنى من المعرفة حياله، التي قد تساعده في أن يبلور تصورا علميا واضحا تجاهه غير مؤسس من فراغ.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا عدنا إلى هذا الواقع أو إلى هذا العالم الذي نعيش فيه، فإننا في حياتنا اليومية من الصعب الاحتكام إلى المنطق في كل تصرفاتنا وسلوكاتنا، فنحن شئنا أم أبينا لم نعد أمام المنطق بتجلياته وتمظهراته، وبمقوماته النبيلة التي تجعلك بعيدا عن التناقضات والتضادات، بل أصبح اللامنطق أيضا يشغل مكانا واسعا في هذا العالم، وأمسى له مناصرون حتى وإن لم يشعروا بذلك، وفي النهاية يمكن أن نستخلص أن هذا الواقع إذن لا يحكمه المنطق وحده، بل دائما تجد بجانبه اللامنطق، الذي يطغى عليه في غالب الأحيان، لأن ما قد يتأسس على منطق معين أو هكذا يُخيل لنا على الأقل، قد يغدو بعد برهة في خانة اللامنطق، فالمنطق قد يخون صاحبه في أحيان كثيرة، أو ما قد يبدو لي أنا منطقيا قد يبدو للآخر عكس ذلك، فالمنطق البشري لا تحكمه قواعد علمية مضبوطة، والعكس هو الذي يجب أن يكون، لكن في الوقت الراهن، لم يعد المنطق تسيجه قواعد علمية بقدر ما بدأت تحكمه مصلحة الفرد أو مصلحة الجماعة أو المجتمع عامة، فحين ينزل المنطق من الناموس الأعلى ويصبح بين أيدي البشر، يتصرفون فيه بناء على إرادتهم وأهوائهم ونزعاتهم وميولاتهم بما قد ينسجم وثقافتهم السائدة وتمثلاتهم للأمور والأشياء وأنماط الوعي المهيمنة، وإذا أردنا أن نحدد حربائية أو زئبقية المنطق – إن صح التعبير – نقتحم به المجال السياسي، وحينذاك تجده يتعرض لانتهاكات صارخة ولأبشع أنواع التعذيب والامتهان، وكل أشكال التحقير التي لن يجد معها المسكين مناصا من الاستسلام والخضوع وهو يرى بأم عينيه هذه المسلخة أو “الهولوكوست” الذي يتعرض له هذا المنطق من طرف العديد من السياسيين الذين أجزم أنهم لم يقرأوا ولو سطرا واحدا مما كتبه هؤلاء العظماء.

تتمة المقال تحت الإعلان

في السياسة، يأتي السياسي بالشيء ونقيضه في نفس الوقت أو بعد حين..

في السياسة يختل المنطق حينما يتنازل السياسي عن صلاحيته التي من المفروض أن يتشبث بها ويمارسها بقناعة وحرية، ويتركه للآخر الذي يعيث به كيف يشاء..

في السياسة يُخترق المنطق حينما ترى حزبا صغيرا يتحكم في أحزاب كبرى ويضمها تحت جناحيه، ويصبح هو الآمر الناهي لأنه ربما يستمد قوته رغم صغره من قوى خفية يعلمها الله..

في السياسة تزهق روح المنطق أو يذهب به إلى المقصلة حينما تتحكم أقلية في رقاب وأرزاق الناس تحت مبررات مختلفة وتريد أن تقنع الجميع أن ليس بالإمكان أكثر مما كان..

في السياسة يصعب أن نتحدث عن المنطق، فالذي يلوك خطابا سياسيا معينا وهو في الأغلبية الحكومية ويصفق ويؤيد القرارات دون هوادة، حينما ينتقل إلى المعارضة يضرب كل المواقف السابقة بعرض الحائط، في تناقض صارخ مع التزاماته وتأييداته السالفة، وقد يتجاوز به الأمر ذلك ويصل إلى حد تغيير مبادئه وقناعاته، وقد يستبدل مرجعيته أو إيديولوجيته السياسية بأخرى دون أن يستطيع تقديم ولو مبرر واحد لهذا الاستبدال وعلى ماذا استند فيه؟ والأمثلة كثيرة في هذا الصدد، يصعب حصرها، كلها ساهمت في تشكيل لبنات ما يمكن تسميته بـ”المسخ السياسي”.

على كل حال، يمكن القول أننا نعيش زمن اللامنطق في السياسة بامتياز، حيث انقلبت المفاهيم، وساد النفاق والكذب، وحار العقل في تصديق أي أحد، واتسعت الهوة بين السياسي والمواطن العادي، الذي يبدو أنه فقد ثقته فيه نهائيا يوما بعد يوم، وهذا هو الذي جعل السياسة عامة تبدو بلا طعم ولا نكهة.

وفي الحقيقة، حينما نتحدث عن غياب المنطق في السياسة، فهناك من يزعم أن ذلك من جوهر الفعل السياسي، وكأنه يريد أن يفحمنا الحجة أن العمل السياسي لا يمكن أن يستقيم إلا في ظل اللامنطق، وبالتالي، هو جزء لا يتجزأ منه، لأن من منظورهم الاعتماد المفرط على المنطق في السياسة هو كمن يسير بوتيرة واحدة، أو كمن يكشف كل أوراقه السياسية دفعة واحدة، وهذا غير مقبول في عالم السياسة المبني على المناورة، والقفز من هنا إلى هناك، واستغلال نقاط ضعف الخصم لسحب البساط من تحته، فضلا عن الحسابات السياسية، وقراءتها لها معاييرها التي ليس من الضرورة أن تنسجم مع رؤية العامة، فكل طرف في السياسة له حساباته الخاصة به، فلذلك يبقى اللجوء إلى اللامنطق هو وسيلة لخلق نوع من الضبابية لدى الأطراف المنافسة، وحشرها في زاوية معينة حتى تتمكن هي من ترتيب أوراقها وفرض هيمنتها على الساحة من منطلق أن في السياسة كل شيء ممكن، لكن رغم كل ما قد تحمله هذه التبريرات من صدقية، إلا أنه لا يجوز أن تكون هي الأصل في العملية، فمن الممكن أن نهيئ جوا سياسيا مبنيا على أسس منطقية في المفاهيم العليا المؤسسة للفعل السياسي حيث القيم العليا والمبادئ والأخلاق وحب المصلحة العامة ونكران الذات، فعلى هذا المستوى، لا يجوز البتة تجاوز المنطق إلى اللامنطق وإلا سينعكس ذلك سلبا على المشهد السياسي برمته، وبالتالي، قد ننتقل ليس من المنطق إلى اللامنطق، بل منهما إلى الفوضى وانهيار المنظومة بأكملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى