المنبر الحر

المنبر الحر | هيمنة العقول الفارغة في زمن التواصل الاجتماعي

بقلم: زهير أهل الحسين

    تصنف العقول حسب المعيار التالي: “العقول العظيمة تناقش الأفكار والعقول المتوسطة تناقش الأحداث والعقول الضعيفة تناقش الأشخاص”، وسأجتهد لأضيف “العقول الصغيرة تناقش ما يروج في تفاهات وسائل التواصل الاجتماعي”، و”العقول الصغيرة جدا هي التي تترك عملها وبرنامجها وتذهب لمتابعة مباريات فرقها”.. فرق تربح الملايين، وجماهير تربح الريح، وصحفي يبيع الوهم داخل استوديو مرتديا ربطة عنق أنيقة، ويزخرف القول بكون الجماهير حجت عن بكرة أبيها وجدها وعمها من أجل تأتيت مدرجات الملعب، وأكيد الجماهير المغرر بها، حيث الأغلبية تتكون من قاصرين سنا ومن قاصرين عقلا ولو تجاوزوا 18 سنة على المستوى القانوني.

جوهر القول، أننا في المغرب نلاحظ هيمنة العقول الفارغة على حساب العقول العظيمة، لا سيما مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وفي هذا الإطار، يقول الروائي الإيطالي أمبيرتو إيكو: “إن أدوات مثل تويتر والفايسبوك وغيرهما، مواقع أصبحت تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا في أي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فورا، أما الآن، فلهم الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل”.. إنه غزو البلهاء، وبالطبع نستثني العقلاء منهم الذين يقدمون محتويات قيمة تساعد في تثقيف الشعب، لكن المشكلة مع الذباب الرقمي، الذي أصبح يفتي في جميع القضايا ويتوهم بأنه أصبح مؤثرا، وهي كلمة ما كان لها أن تكون لولا الدور السلبي لوسائل الإعلام في تسويق هذه التسمية، فصدق المؤثرون بأنهم كذلك ما دام يتم احتضانهم من طرف وسائل الإعلام، فلو كان هؤلاء مؤثرون، كما تأثر أفلاطون بسقراط، والجابري بابن خلدون، ومحمد عبده بالأفغاني، فما على وزارة التعليم سوى أن تمنحهم شهادات من أجل التدريس في الجامعات والمدارس، خصوصا وأنه لدينا نقص في الموارد البشرية.

تتمة المقال تحت الإعلان

هيمنة العقول الفارغة حجبت الضوء عن ذوي العقول العظيمة التي تنتج أفكارا تزن ذهبا، لكن مع غزو البلهاء، يصعب على العقل البسيط أن يستوعب أفكارهم، لذلك لا نفاجأ حين نرى بأن المغرب يحتل المرتبة الرابعة إفريقيا من حيث هجرة الأدمغة، لأنها لا تجد التربة المناسبة لاستنبات أفكارها، بل تجد أصحاب العقول الفارغة يقول عنها: “اه شحال فيه ديال لفهامات.. غا هو اللي قاري”، لكن عندما تذهب عقلية مغربية إلى أرض خصبة، تنفجر على أعلى مستوى، ولو سألت نفس الشخص عن مدى رغبته في العودة إلى المغرب، يجيبك بدبلوماسية لبقة، بأنه من جهة يود الرجوع من أجل وضع طاقته في خدمة بلده، لكن من جهة أخرى، لن يجد الظروف المواتية للعمل. فهنا، يقصد مكان الإقامة، توفر لك جميع الظروف، لأنه إذا نجح الفرد انعكس ذلك على المجتمع، أما في المغرب، فستعاني من تكلس العقليات وكثرة العقبات والعبور عبر الوسائط، حتى يتسرب إليك الملل وتفكر في الهجرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وعلى المستوى الديموغرافي، عدد سكان المغرب 40 مليون نسمة، وهنا نتساءل: ما هي نسبة العقول العظيمة التي تناقش الأفكار العظيمة الخلاقة التي تصب في صالح المجتمع؟ أكيد ستكون نسبة ضعيفة، أي أقصى تقدير ولو على سبيل المزاح الجاد، قد نجد ما بين نصف مليون أو أقل، ولو تلاقحت العقول العظيمة مع بعضها البعض، لتولد عن ذلك عباقرة، لأن الدماغ البشري يتوفر على الملايير من الخليات، وكل خلية تشتغل تدب فيها الحياة، عبارة عن أفكار، والأفكار هي المصنع الذي ينتج الآلات الجيدة الصنع، مادام مدير المصنع الفكري على درجة حسنة من التكوين ومحاط بنخبة من العقول النيرة.

على ذكر الفرق بين العقول، أستحضر هنا نكتة حكاها لي صديق، بين مغربي وصيني قد توضح الفرق بين تطور المجتمعات العربية الإسلامية والمجتمعات غير العربية الإسلامية، حيث سأل المغربي الصيني: كيف تفسر أنه لكم ساكنة تقدر بمليار نسمة ويزيد وبلدكم يعد من الدول الرائدة في العالم؟ أجابه الصيني: الأمر بسيط: نضع شخصا ذكيا على رأس 100 شخص غير ذكي، هو يفكر وهم ينفذون، ومن فرط حماستهم وانضباطهم، يجيبون: هل أجدنا ما قمنا به؟ فيحييهم معربا عن رضاه، فتراهم يرقصون من شدة الفرح، وأنتم تفعلون العكس: تضعون شخصا غير ذكي على رأس 100 ذكي، لذلك لا تسير الأمور على النحو الجيد، كما أنكم تقضون ساعات طوال في المقاهي وفي النقاشات الفارغة التي لا تنتهي، أي كثير من اللغو وقلة العمل، لذلك تدورون في حلقة مفرغة وتتقدمون ببطء مثل السلحفاة.

وهي نكتة، تحمل بين طياتها العديد من أوجه الحقيقة.. وهكذا، فالمشكلة في المغرب، هي أن من يمتلك عقلا عظيما طوره من خلال معارفه العلمية أو من احتكاكه بالواقع، وهذا ما يسمى بـ”البراكسيس”، يجد مقاومة سلبية من طرف ما نقوله في الثقافة الشعبية “بوعروف”، الذين يعارضون الفكرة قبل فهما، ومن تم تجد أصحاب العقول العظيمة، إما في عزلة تامة أو في دائرة العقول العظيمة.

إن المعوقات التي تعرقل العقول العظيمة، ليست في صالح الإنتاج الوطني الخام، فإذا كانت الرشوة تضيع علينا 44 مليار درهم سنويا، فعدم الاستفادة من ذوي العقول النيرة يضيع علينا العديد من الفرص، لأنهم ينتجون ثروة لامادية، عبارة عن أفكار كبرى ومتوسطة وصغرى وما بينها من مترابطات، لأن العقل العبقري غالبا ما يتجاوز نسبة 10 في المائة التي يستغلها “شعيبة” في الكنوز التي يتوفر عليها الدماغ البشري، لذلك تجد فقط نسبة قليلة من العباقرة في العالم، وما تبقى يصر على البقاء في السفح.. “العام اللي يجي تلقاه حال فمو فلكورة: والله لا فرحتو بالليغا هاذ العام”.

حاصل القول: العقول العظيمة موجودة ببلادنا، فقط تحتاج التنقيب عنها، وهذا هو الرأسمال الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى