تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | مقارنة بين مرحلة بوعبيد ومرحلة أخنوش

2023.. بين الحصيلة الدبلوماسية والاحتجاجات الاجتماعية

إذا تأملنا الوضعية العامة للمملكة المغربية خلال سنة 2023، يظهر أنها تشكل استثناء في تاريخ المغرب على الأقل منذ استقلاله إلى الآن، حيث نلاحظ لأول مرة تناقضا صارخا بين الوضعيتين على المستوى الداخلي والخارجي.. فقد تعودنا دائما على أن تكون الوضعية الداخلية ملائمة أو جيدة أو سيئة، في مقابل سنة دبلوماسية في أحسن الأحوال، يمكن وصفها بأنها حافظت على توازن القوى بخصوص قضية الوحدة الترابية للمملكة، ولأول مرة يسجل في تاريخ المغرب تحقيق انتصارات دبلوماسية وسياسية مهمة في قضية الصحراء المغربية، مقابل وضعية داخلية صعبة نتيجة عدة عوامل.. لعل آخرها استمرار الجفاف للسنة الخامسة على التوالي، إضافة إلى إضراب الأساتذة المفتوح لمدة قاربت الثلاثة أشهر.

أعد الملف: سعد الحمري

بين سنة 2023 وسنة 1980.. هل يوجد شبه بخصوص الوضعية الداخلية ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

    هل يجوز القول بأن سنة 2023 تشبه سنة 1980؟

تتمة المقال تحت الإعلان

هناك معطيات تجعلنا نقول أن هناك شبها إلى حد بعيد على الصعيد الداخلي.. فقد وصف المفكر الشهير عبد الله العروي في “مذكرات الصباح”، الوضع في المغرب خلال هذه السنة بالتالي: ((رغم ما قيل عن تحسن سوق الفوسفاط ونبأ موافقة البنك الدولي على قرض مهم للمغرب، يقول الاقتصاديون إن الوضع المالي صعب للغاية، وإن مشروع الموازنة لا يعكس حقيقة الوضع.. يتوقع الجميع أن تعرف سنة 1981 اضطرابات اجتماعية، لا سيما إذا استمرت الحرب العراقية الإيرانية، وتواصل ارتفاع سعر البترول، ولا أدل على أثار هذه الوضعية في الأوساط الخارجية، من تعاليق الصحافة الإنجليزية، المشينة حقا للوطن وليس للنظام فقط، بمناسبة الزيارة الرسمية الفاشلة – حسب كل التقارير – التي قامت بها الملكة إليزابيت الثانية)).

لا يتعرض المغرب حاليا لانتقادات دولية كما هو الشأن بالنسبة لتلك السنة، وليست هناك وضعية مالية صعبة، وإنما هناك أزمة ارتفاع الأسعار، نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ سنتين، وهناك عوامل أخرى عانى منها المغرب خلال سنة 1980، وبناء عليه، نشبه هذه السنة على المستوى الداخلي بها، حيث اتسم السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال تلك المرحلة، بتباطؤ نمو الاقتصاد المغربي كما هو اليوم، نتيجة عدة عوامل، أهمها أزمة البترول التي أدت إلى ارتفاع سعر هذه المادة في الأسواق العالمية، إضافة إلى كل هذه المشاكل، ظاهرة الجفاف التي استفحلت منذ سنة 1979.

وقد كان من نتائج هذه العوامل، تدهور الاقتصاد الوطني، حيث أغلقت المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتدهورت القدرة الشرائية للمواطنين، وتخلى الفلاحون الصغار عن أراضيهم، وهاجروا نحو المدن، مما أدى إلى تضخم حجم البطالة وانتشار الفقر والأمية في هوامش المدن، وفوق كل هذا، تضمن القانون المالي لسنة 1980 اتباع سياسة التقشف المتبعة منذ سنة 1978، وتمحورت أهدافه حول تلبية حاجيات الدفاع عن الوحدة الترابية، إضافة إلى تعزيز الموارد الداخلية للدولة، من خلال العمل على الزيادة في المنتوج الضريبي.

وقد أدت كل هذه العوامل إلى اندلاع العديد من الإضرابات سنة 1980، ورغم ذلك، لم تتم الاستجابة للمطالب الاجتماعية، بل على العكس، اتخذت الحكومة المغربية يوم 28 ماي 1981، قرار الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية بنسبة 39 في المائة بخصوص مادة السكر، و40 في المائة فيما يتعلق بكل من الحبوب والدقيق، و28 في المائة في مادة الزيوت الغذائية، إضافة إلى 77 في المائة في مادة الزبدة، ثم 14 في المائة في مادة الحليب، أي بلغت الزيادة في المجمل 40 في المائة من مجموع أسعار المواد الاستهلاكية.

وقد جاءت ردود الأفعال من الأحزاب والنقابات، التي كانت تشكل صوت المواطنين بقوة خلال تلك الفترة، وكان أول رد فعل على هذه الزيادات، عن طريق اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي أصدر يوم 31 ماي 1981، بيانا طالب من خلاله، بإلغاء الزيادة في الأسعار، وفي ذات السياق، دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، يوم ثاني يونيو من نفس السنة، إلى التعبئة الشاملة من أجل حث الحكومة على التراجع عن قرار الزيادة في المواد الغذائية، كما تقدمت المعارضة السياسية بطلب إلغاء قرار الزيادة في الأسعار داخل مجلس النواب، الأمر الذي جعل الحكومة، أمام هذه الضغوطات، تعلن عن التراجع عن الزيادة المعلنة بنسبة 50 في المائة، وكان ذلك يوم 6 يونيو 1981.

إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية في نظر المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الذي أصدر بيانا، وجه من خلاله الدعوة إلى التعبئة لمواجهة الزيادة في الأسعار، وضرورة تلبية الملف المطلبي، وخاصة الرفع من الأجور لجميع الموظفين والمستخدمين بنسبة 50 في المائة، ورفع الحد الأدنى للأجور، ثم ضمان الشغل للعاطلين، إضافة إلى احترام الحريات النقابية وإرجاع المطرودين من العمل.

كما دعا المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إلى القيام بتجمع احتجاجي يوم الأحد 7 يونيو 1981 بمقر الكونفدرالية، وبعد الوقفة الاحتجاجية بيوم واحد، عقد المكتب التنفيذي للهيئة النقابية، ندوة صحفية بالرباط، صرح خلالها بأن الزيادة في الأسعار تمت بكيفية أحادية دون استشارة الهيئات النقابية. ويوم 15 يونيو، قررت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل خوض إضراب عام لمدة 24 ساعة على الصعيد الوطني، وبدوره دعا الاتحاد الجهوي لمنظمة الاتحاد المغربي للشغل، يوم 16 يونيو، إلى إضراب عام بمدينة الدار البيضاء يوم الخميس 18 يونيو 1981، وهو الإضراب الذي شارك فيه محسوبون على الكونفدرالية أيضا.

لقد شجع نجاح الإضراب المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على إصدار بلاغ، دعت من خلاله إلى خوض إضراب عام يوم 20 يونيو 1981، ونشرت جريدة “المحرر” الناطقة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بلاغات تؤيد خوض الإضراب، وهو ما أدى إلى ما يعرف بأحداث 20 يونيو 1981.

غير أن الفرق بين الأمس واليوم، هو أنه في تلك المرحلة، كانت الأحزاب والنقابات هي التي تؤطر المواطنين، أما اليوم، فلا أحزاب ولا نقابات تؤطر المواطنين، وظهر ذلك في عدة امتحانات، آخرها ظهور فجوة كبيرة بين النقابات ورجال التعليم، حيث تناقش النقابات مشاكل بينما رجال التعليم يعانون من مشاكل، وإضافة لذلك، ظهرت بوادر احتجاجات وإضرابات في عدة قطاعات حكومية، تطالب بالزيادة في الأجور.

غير أن المشاكل الكبرى التي ظهرت في سنة 2023 بقوة، ولا نعرف مآلها في سنة 2024، هي مشكلة العطش، التي عبر عنها رئيس الحكومة خلال آخر حضور له في البرلمان، بأن القادم هو الأصعب بسبب أزمة العطش.. فكيف ستكون سنة 2024، مع أول أزمة ندرة في المياه يعيشها المغرب ربما منذ استقلاله؟ لا نريد أن نكون متشائمين، لكن الذي يجب التنبيه له، هو أن المواطن لم يعد يثق لا في أحزاب ولا نقابات.. فمن الذي سيؤطره؟ وإذا حدثت حركات احتجاجية، كيف سيكون شكلها؟

2023.. سنة دبلوماسية لا تشبهها أي سنة منذ نشوب النزاع حول الصحراء المغربية

    من خلال بحثنا في تاريخ المغرب الراهن، تبين أنه لا توجد سنة تشبه هذه السنة من الناحية الدبلوماسية، وحاولنا المقارنة بين هذه السنة وبعض السنوات، فوجدنا سنة 1980 صالحة للمقارنة، حيث ظهرت في نهايتها مؤشرات في مصلحة المغرب، وهي موافقة الولايات المتحدة على بيع الأسلحة للمغرب، وهي التي عارضت ذلك منذ نشوب النزاع حول الصحراء تجنبا لإغضاب الجزائر، الأمر الذي أعطى للمغرب دفعة قوية من أجل تقوية موقفه من قضية الصحراء المغربية.

أما هذه السنة، فتبدو مختلفة كليا عن باقي السنوات، حيث شهدت المنطقة المغاربية عدة تطورات مهمة، لكن يبقى أهمها ما حصل خلال شهر دجنبر الحالي، الذي نودعه ومعه عام كامل، ثم نستقبل سنة جديدة وهي 2024، والتي لا شك ستكون سنة نتاج هذه التطورات.. فقد كان هذا الشهر مزدحما بالتطورات والأحداث إن صح التعبير، وهذه الأحداث إن دلت على شيء، فإنما تدل على نجاح المغرب في تنويع شركائه السياسيين والاقتصاديين.. ففيما يخص العلاقات المغربية الأمريكية، فقد زار نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون شمال إفريقيا، جوشوا هاريس، الجزائر والرباط، والتقى بوزيري خارجية البلدين، بحر هذا الشهر، وكان مثيرا للاهتمام، أن المسؤول الأمريكي أكد صراحة في كل من الرباط والجزائر، أن أمريكا ترى أن خطة الحكم الذاتي، التي يقترحها المغرب كحل نهائي لملف الصحراء، حل واقعي، وهذا تطور مهم في موقف الإدارة الأمريكية، خاصة وأن المسؤولين الأمريكان دأبوا منذ مدة، رغم اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء، عند زيارة الجزائر، على عدم التأكيد على دعم واشنطن للحكم الذاتي، وكان آخر هذه المواقف خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي للمنطقة، حيث عبر بالمغرب عن دعم بلاده للحكم الذاتي، وعندما حل بالجزائر أعلن أن بلاده تدعم حلا سياسيا تحت رعاية الأمم المتحدة.

ودائما، وفي إطار تطورات العلاقات المغربية الأمريكية.. فقد تم التأشير ضمن مشروع قانون إقرار الدفاع الوطني الأمريكي، الخاص بسنة 2024، على انضمام المغرب إلى القيادة المركزية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مع التركيز على مواجهة التهديدات الإيرانية، وهو المشروع الذي يهدف إلى تعزيز التنسيق مع حلفاء الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات المشتركة من إيران، ويتيح المشروع للمغرب، المشاركة في التدريبات العسكرية التي تديرها القيادة المركزية الأمريكية، وقد جاء القرار في إطار جهود تعزيز الأمن القومي وتوطيد التعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

ومن جانب آخر، فقد شهدت العلاقات المغربية الروسية نموا قويا بالتزامن مع استضافة المغرب لفعاليات الدورة السادسة من منتدى التعاون العربي الروسي بمراكش يوم 20 دجنبر الجاري، ورئاسة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لهذا الاجتماع ذي الطابع الإقليمي، وحديث عن مقاطعة جزائرية لهذا المنتدى، إلى جانب التطور الأخير في العلاقات الجزائرية المالية، وذلك عندما استدعت الخارجية المالية السفير الجزائري لتبلغه مذكرة احتجاج ضد أفعال جزائرية “غير ودية” من جانب بلاده، و”تدخلها في الشؤون الداخلية” لمالي، بسبب عقد الجزائر اجتماعات مع الانفصاليين الطوارق دون سابق تنسيق مع السلطات المالية وتقديمها الدعم لهم.

وقد علق بلال التليدي على هذه التطورات قائلا: ((هذه التطورات المؤثرة بالتزامن مع عقد المنتدى العربي الروسي، ومع احتجاج مالي على الجزائر، تشير إلى أن المعادلة في المنطقة بصدد التغير، وأن الجزائر بدأت تفقد الجغرافيا السياسية، وأيضا الدبلوماسية في مواجهتها للمغرب.. فمن جهة، سيصعب على موسكو تفهم مقاطعة الجزائر للمنتدى العربي الروسي المنعقد بمراكش، لأن تعليل الجزائر الأمر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، يتعارض بشكل مطلق مع تعليل سابق لها بخصوص مشاركة المغرب في القمة العربية في الجزائر، وأن الجزائر تميز بين العلاقات الثنائية والعلاقات المتعددة الأطراف، ومن ثم، سيكون من الصعب على موسكو تفهم الموقف الجزائري بهذا الخصوص، هذا إن لم تكن مقاطعة الجزائر لهذا الاجتماع موجهة أساسا إلى موسكو بحكم تطور العلاقات مع المغرب، والتي بدأت تتجه إلى مسارات مقلقة للجزائر، إذ تتهم الجزائر الإمارات العربية المتحدة بالعمل على دفع موسكو في اتجاه المغرب وإبعادها عن الجزائر.

وتابع نفس المصدر تحليله بالقول: ((وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، صرح بأن موقف بلاده من قضية الصحراء هو دعم قرارات مجلس الأمن، ودعم جهود مبعوث الأمين العام إلى الصحراء، دي ميستورا، وهو ما يعني أنه مع إلزام الجزائر بالمشاركة في الموائد المستديرة، ومع أنها تؤسس جهود الحل السياسي على الحل الواقعي القابل للتطبيق، أي على مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، وليس على مطلب الاستفتاء الذي تتشبث به الجزائر، والذي أكد مجلس الأمن في قراراته على عدم قابليته للتطبيق، كما يكشف التوتر بين الجزائر ومالي عزلة الجزائر جيوسياسيا، وتعميق عزلتها، فهي اليوم تعيش على إيقاع حدود مضطربة من جهة ليبيا، ودولة غير مأمونة الاتجاه والولاء من جهة تونس، وعلاقات ملتهبة مع المغرب، وتوتر العلاقات مع مالي، وهشاشة الاستقرار السياسي في النيجر)).

وأخيرا.. فقد تم ختم هذه السنة من ناحية السياسة الخارجية للمملكة، بالشروع في تنزيل مضامين الخطاب الملكي الأخير، الذي أعلن خلاله الملك محمد السادس عن تعزيز حضور البعد الأطلسي في السياسة الخارجية المغربية، وتعزيز ولوجية بلدان الساحل إلى الواجهة الأطلسية، وكان لافتا أن الاجتماع، الذي عقد السبت في مراكش، بحضور مجموعة من الدول الإفريقية من خلال وزراء خارجيتها، إعرابهم عن انخراط بلدانهم في المبادرة الدولية التي أطلقها الملك محمد السادس لتعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

وكان من ضمن الدول الحاضرة في هذا الاجتماع، والتي عبرت عن استعدادها للانخراط في هذا المشروع، جمهورية مالي، التي كانت تعتبر من حلفاء الجزائر، غير أن حضورها اجتماع مراكش في الوقت الذي كانت فيه أزمتها مع الجزائر تتأجج بشكل أقوى، والتي وصلت إلى حدود اللحظة سحب مالي سفيرها بالجزائر، هو ما يعتبر رسالة من مالي إلى الجزائر بأن علاقاتهما انتهت، وأن مالي ارتمت في حضن الرباط، وبالتالي، عزلة الجزائر القارية إذا أخذنا بعين الاعتبار توتر علاقاتها مع جارتها الشرقية ليبيا، حيث هدد الجنرال حفتر مؤخرا باستعداده للدخول في حرب مع الجزائر من أجل استعادة أراضي ترابية ليبية اقتطعت خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر.

وهكذا يمكننا القول بأن سنة 2023 كانت فريدة بكل المقاييس.. فهل يتجه المغرب إلى الاهتمام بالسياسة الخارجية مقابل إهمال الأوضاع الداخلية ؟

لننتظر ونرى..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى