كواليس الأخبار

تحت الأضواء | مصطفى العلوي “أول ضحية” لنشر الكاريكاتير السياسي

تزامنا مع الذكرى الرابعة لوفاة القيدوم

بقلم: بوشعيب الضبار

    ما أقبح الرقابة على الصحافة، فهي تخرق مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير، وحقوق الإنسان في مفهومها الشامل.. هذه الممارسة السياسية السيئة، عانى منها الكاريكاتير في المغرب كثيرا في مختلف مراحله، خاصة في سنوات الجمر والرصاص في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

في هذا السياق، لا بد من توجيه تحية إكبار خاصة لروح المرحوم الأستاذ مصطفى العلوي، ملؤها الثناء والتقدير إنصافا للرجل، واعتبارا لدوره في نشر الرسم الصحفي السياسي في مختلف منابره، رغم ما قاساه من مضايقات بلغت حد الاعتقال والتعذيب والحجز.

إن أغلب رواد الكاريكاتير، مثل إبراهيم لمهادي والعربي بلقاضي ومحمد الفيلالي وحميد البوهالي والعربي الصبان ومصطفى أنفلوس، سجلوا بداياتهم في “أخبار الدنيا”، و”دنيا الأخبار”، و”الدنيا بخير”، و”أطياف”، و”الكواليس”، و”الأسبوع الصحفي”، وغيرها من صحف الراحل مصطفى العلوي، التي احتضنت اللمسات الأولى لريشاتهم المشاغبة.

تتمة المقال تحت الإعلان

تكفي هنا شهادة حميد البوهالي، المحتفى به في الدورة السادسة لمهرجان إفريقيا الدولي للكاريكاتير بأكادير، حيث قال: “مصطفى العلوي كان له الفضل في تشجيع فن الكاريكاتير في المغرب”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأنا بدوري مدين لهذا الرائد في عالم الصحافة، فهو الذي أدخلني إلى بلاط “صاحبة الجلالة”، وأخذ بيدي، وعلمني أبجديات عشق هذه المهنة، ولن أنسى فضله علي أبدا، ولقد عايشت جزء من محنته مع مقصلة الرقابة.

وبحكم اقترابي منه، واشتغالي مباشرة تحت إدارته، موجها وأستاذا ورئيسا، استكشفت فصلا مريرا من تلك المعاناة، وكان ذلك بالضبط ما بين سنتي 1974 و1975 في صحيفة “الكواليس”، قبل توقيفها.

يومها، كان هناك في هيئة تحرير هذه الصحيفة، شيخ الصحافيين، المرحوم عبد السلام السفياني، المعروف بقلمه اللاذع كصاحب أسلوب متميز في الصحافة الساخرة.

ولكوني الأصغر سنا آنذاك، كصحافي ناشئ، أسند إلي مصطفى العلوي مهمة التواصل مع الرقابة، وتقتضي حمل النسخة الأولى من الصحيفة إلى مقر وزارة الاتصال، للاطلاع عليها قبل السماح بطبعها.

في تلك الفترة من تاريخ المغرب المطبوع بالاحتقان السياسي، كانت الرقابة متصلبة، لا تكتفي بمنع الخبر أو التعليق، بل تشمل أحيانا حتى الرسم الصحافي الساخر، في انتهاك واضح لحرية التعبير.

الرقباء أصناف وأنواع، وكل واحد منهم يحتاج إلى تفصيل موسع في كيفية أداء عمله، وأشير هنا إلى اثنين فقط، دون ذكر اسميهما..

الأول كان متسلطا، رحمه الله، ولا تحلو له مراقبة الصحيفة إلا في الحانة القريبة من الوزارة، لإدمانه على الشرب أثناء وقت الدوام بالإدارة.

والثاني، أطال الله عمره، صاحب روح مرحة، كريم الخلق، يخلق جوا من الألفة داخل مكتبه، انسجاما مع جذوره المراكشية.    

وبقدر ما كان الرقيب الثاني متفهما، ويدلي بملاحظاته بمنتهى اللباقة، كان الرقيب الأول – سامحه الله – متشددا ومتعنتا، وقد يعترض بقلمه الأحمر على خبر صغير، أو على كاريكاتير، مشترطا الحذف أو التعديل قبل إبداء الموافقة على النشر.

والمسألة عسيرة، وتتطلب العودة إلى المطبعة بحي المحيط بالرباط، وإدخال تعديلات الرقابة، والرجوع إلى الوزارة بالنسخة الثانية المعدلة، انتظارا للترخيص بالنشر، ما يتسبب في هدر وقت كبير، ويفوت على الصحيفة أحيانا فرصة اللحاق بالتوزيع.

وما يزيد الوضع تعقيدا، صعوبة الإخراج الصحفي، في السبعينيات.. فقد كانت حروف العناوين، باختلاف أحجامها، تجمع يدويا، من صناديق خشبية صغيرة، في حين يجري التنضيد الآلي للمقالات بالرصاص الساخن على جهاز “اللينوتيب”، ولم يكن الحاسوب قد دخل بعد عالم الطباعة.

أما بالنسبة للصور والرسوم، فيتطلب الأمر حفرها على “الزنك” ضمن إطار معدني يسمى “الكليشيه”، وكان اعتراض الرقابة على كاريكاتير معين، مثلا، يجبر إدارة تحرير “الكواليس” على تعويضه بمادة مكتوبة، أو إبقاء مساحته بيضاء كنوع من الاحتجاج.

هذا جزء يسير جدا من تلك المكابدة، وقد تقع مصادرة الصحيفة من طرف الرقابة، بدعوى أن صورة فوتوغرافية، أو لوحة كاريكاتيرية، أو مقالة تحليلية، تستوجب الحجز، مع ما يترتب عن ذلك من خسائر مادية، ومن ضياع لجهد أسرة التحرير.

في خضم سنوات الجمر والرصاص، لم يكن نشر الكاريكاتير يسيرا، وسبق للقيدوم مصطفى العلوي أن تعرض لتداعياته في مقالتين، في عموده الشهير “الحقيقة الضائعة” في “الأسبوع الصحفي والسياسي”.

المقالة الأولى عن “محنة الكاريكاتير في المغرب” (6 يونيو 2003)، وقد استهلها بقوله: ((ربما أهلتني التجارب لأكون أحد أبطال المعاناة الصحافية في هذا البلد السعيد، وأول ضحية لما يسمى بالكاريكاتير)).

والمقالة الثانية بعنوان: “لعنة الكاريكاتير تطارد الصحافة المغربية” (10 مارس 2006)، وفيها استحضر واقعة اختطافه، بنبرة مشوبة بأسى دفين، فقال: ((إن كاريكاتورا نشرته في أول جريدة أسبوعية لي (أخبار الدنيا)، أرسلني رأسا من مكتبي ــ يا حسرة ــ إلى “دار المقري”، لأعذب وكأني في جهنم، وتقطع أوصالي، ثم أنفى إلى معتقل سري في وجدة)).

وفي التفاصيل التي أوردها مصطفى العلوي، أن “أخبار الدنيا” نشرت في شهر أكتوبر سنة 1963، رسما لوزير يقبل حذاء، فـ((تم اختطافي وإدماجي في “دار المقري” لمشاركة مجموعة من الاتحاديين، الذين كانوا معتقلين بتلك الدار العفنة،  وعانيت معهم من العذاب ما لا يشرف تاريخ المغرب إطلاقا، ولقد كدت أفقد حياتي في تلك الظروف التي دام اختطافي فيها أربعة أشهر ..)) (المصدر: “الحقيقة الضائعة”/ 6 يونيو 2003).

وفي كتابه “مذكرات صحافي وثلاثة ملوك”، يروي الراحل أكثر من حكاية حول “عمليات المنع والحجز”، وهي “كثيرة جدا، وكان رسم كاريكاتوري سببا كافيا للمتابعة والاعتقال” (الصفحة 206).

ويتذكر العلوي في كتابه، أن من بين تلك الرسوم، رسم نشرته صحيفة “الدنيا بخير”، بعد منع “أخبار الدنيا”، ((يظهر فيه علال الفاسي راكبا حماره، المحمل بـ”الزعبول”، ويسأل أحمد رضى اكديرة عن الطريق نحو أمريكا لبيعه هناك، غداة توجيه الملك الحسن الثاني خطابا إلى المغاربة، قال لهم فيه إنهم لو كانوا يعرفون قيمة “الزعبول”، لقاموا بتصديره إلى أمريكا، فأثار هذا الأمر ضجة شديدة)) (الصفحة 206).

وبسبب الكاريكاتير، ظلت المتاعب تلاحق مصطفى العلوي، وتعرضه للمحاكمة أو الاعتقال، وفي منتصف ذات ليلة، فوجئ بوكالة الأنباء المغربية تعلن عن رفع دعوى ضده أمام المحكمة الابتدائية بالرباط، بتهمة الإساءة(…) إلى الرئيس الليبي معمر القذافي، على خلفية رسم ساخر نشر في الصفحة الأولى لـ”الأسبوع الصحافي” بتاريخ 26 دجنبر 2003، ((يمثل رسما لشخص واقف، وسرواله نازل إلى الأرض، دون ذكر اسم أحد، ولا رئيس معين)) (المصدر: “الحقيقة الضائعة” / 10 مارس 2006).

ولطالما استفاض مصطفى العلوي في سرد المتاعب التي تحملها في سبيل نشر الكاريكاتير في صحفه، التي كانت تثير حنق الوزراء وزعماء الأحزاب السياسية ضده، وكان هو من دعاة توسيع مجال حرية التعبير في الصحافة، معتبرا أن الرسم الصحافي السياسي ركن أساسي لا يقل أهمية عن سائر الأجناس الصحافية الأخرى، والدليل على ذلك قوله: ((الكاريكاتور في تاريخ الصحافة هو الملح بالنسبة للطعام)) (المصدر: “الحقيقة الضائعة” / 6 يونيو 2003).

حين فاتحته في فكرة التوثيق للكاريكاتير السياسي في الصحافة المغربية، حفزني على استكمال هذا المشروع، بل ووعدني بكتابة تقديم للكتاب، لولا رحيله إلى دار البقاء.

وبموت القيدوم مصطفى العلوي، انطوت صفحة تاريخية من سجلات الصحافة السياسية المكرسة للسخرية بالكاريكاتير، وكان هو رائدها و”ضحيتها الأولى”، رحمه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى