
الرباط. الأسبوع
عادة “وجبة الغذاء” هنا في العاصمة تحولت إلى مجرد “لقمة للاشتغال”، وقد نجح المجتمع المغربي في التخلص وبسلاسة من هذه العادة بعد إقرار التوقيت المستمر في الإدارات العمومية والجماعية، والذي تأخرت المملكة في تطبيقه، ففي عدد من العواصم العالمية، مثل لندن وبروكسيل وأمستردام، وعواصم الدول الإسكندنافية، والأمريكية، وغيرها من البلدان المزدهرة اقتصاديا والمتقدمة علميا والمتفوقة اجتماعيا، لا تعرف بتاتا ما نطلق عليه “وجبة الغذاء” بعدما “أغنت وجبة الفطور الأولى في النهار بما يضمن للجسم حاجياته الموصى بها من قبل خبراء التغذية”.
نعم، من الصعب استنساخ هذا التقليد عندنا دون المرور من مراحل ربما تجاوزناها بفضل المرونة والتسهيلات الممنوحة للشغالين للاستفادة من فترة زمنية وسط النهار لتناول “لقمة سريعة” واستئناف الشغل بعدها، هذه المرحلة كانت هنا في العاصمة في البداية دخيلة على عاداتنا وتقاليدنا، مما خلق نوعا من التمرد في صفوف العاملين بمختلف القطاعات، تحول بعد “الترويض” والاستئناس بـ”اللقمة السريعة” وفي عين المكان، مع الاستفادة المادية والمعنوية من عناء التنقل إلى المنازل ذهابا وإيابا على شرف مأدبة الغذاء المعتادة والدسمة، التي تكون البطنة فيها عدوة الفطنة، والتي لن تغادر المجتمع الرباطي بسهولة بعد مئات السنين، بل قطعا ستتوارى وتختفي بعد جيلين من بعدنا إذا التزمت الإدارات العمومية والجماعية بحذف المآدب الرسمية للغذاء، وقد سبقتها الطبقات الشعبية بإقامة حملاتها واحتفالاتها المرتبطة بالوجبات في المساء ونادرا ما تقام في ساعة الغذاء.
فهذه الخاصية غربية، وإن كانت مفيدة فإنها مرفوضة عند السواد الأعظم من بلدنا، ونحن ابتداء من سنة 2024، أي بعد أيام، ستتكلف عاصمتنا بتمثيل وتجسيد أحسن وأرقى وجهة سياحية في إفريقيا، ولا ندري الميكانيزمات المستعملة أو التي ستستعملها مجالسنا لإضفاء الحلة السياحية الهادفة لإبراز ثقافة جديدة لهذه السياحة الإفريقية، التي عانت من التهميش والتكتم على ما تزخر به من تنوع يكاد يكون ممثلا هنا في الرباط، من ثقافة وآثار وهندسة في المعمار، وفنون وأصالة في التغذية، التي شهدت ثورة حتى تنقذ الفطنة من مخالب البطنة في وجبة الغذاء التي كيفناها إلى مجرد “لقمة” خفيفة نستعين بها لضبط توازن الجسم مع متطلباته الضرورية، ليستأنف عمله اليومي بكل نشاط وحيوية، ونعتقد أن هذه ميزة حسنة تمتاز بها عاصمتنا عن العواصم الإفريقية.
فكيف يمكن ترسيخ الفكر الإفريقي بأن الرباط تخلصت من البطنة لتلج عالم العرفان والذكاء الاصطناعي والحفاظ على صومعة حسان ذات الأزيد من 8 قرون، وأمامها برج محمد السادس الأعلى في القارة كمجسد لما وصلت إليه حضارة الجيل الحالي بالفطنة الذكية، متخليا عن البطنة في وقت الاشتغال والمثابرة لإلحاق عاصمتنا الإفريقية بمصاف العواصم المتقدمة عالميا بالفطنة وليس بالبطنة ؟



