كواليس الأخبار

تحت الأضواء | موجة الفساد السياسي والمالي تحصد الأخضر واليابس

فشل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد

الرباط. الأسبوع

    ارتفعت وتيرة قضايا الفساد على صعيد محاكم المملكة خلال الأشهر الأخيرة، مما يطرح علامات استفهام كثيرة حول مسؤولية الحكومة ومؤسسات الرقابة في التصدي لظاهرة الفساد، التي لها انعكاسات سلبية على التنمية في البلاد وكسب ثقة المستثمرين الأجانب، وأبناء الجالية المغربية بالخارج، وبالتالي، إلى أين تسير البلاد في ظل تفشي ثقافة الفساد لدى بعض البرلمانيين وبعض رؤساء الجماعات والمنتخبين ومسؤولين في مؤسسات عمومية؟

لقد شدد دستور 2011 على ضرورة محاربة الفساد ومحاصرته بالقوانين الفعالة، مثل إجبار من يتقلدون مناصب المسؤولية على التصريح بالممتلكات، ومحاربة الإثراء غير المشروع والكشف عن مصادر ثرواتهم، إلى جانب ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز آليات الرقابة والمواكبة، وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والحكامة الجيدة للحفاظ على الأموال العمومية وممتلكات الدولة، حيث أعطى الدستور للسلطة التنفيذية عدة آليات وأجهزة تستخدمها للحد من ظاهرة الفساد، وفق سياسة حكومية ناجعة تعتمد على الاستمرارية والتنسيق مع مؤسسات الحكامة والمراقبة والمجتمع المدني والقطاع الخاص قصد القضاء على ظاهرة الرشوة والتلاعب بالصفقات وغسيل الأموال، وتضارب المصالح، واختلاس الأموال العمومية.

تتمة المقال بعد الإعلان

وقد اعتبرت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي يترأسها محمد بشير الراشدي، أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد تعاني من أوجه القصور التي تحول دون تمكينها من تحقيق الأثر المنتظر منها، وتغير منحنى تطور وضع الفساد بالمغرب، حيث وقفت على ضعف تعبئة الفاعلين المعنيين، والافتقار إلى التنسيق الفعال ومراقبة البرامج والمشاريع، وهيمنة التدبير القطاعي على حساب منطق البرمجة، وغياب ترسيخ منهجية لتحديد الأولويات على مستوى الاستهداف المبرر، بدراسة الوقع والأثر الشامل، واستمرار ضعف المقروئية في تحديد الميزانيات المخصصة للاستراتيجية الوطنية، وسيطرة الإجراءات التشريعية دون المواكبة الكافية لتنزيلها الناجع، وعدم اصطحاب الاستراتيجية بمخطط تواصل مناسب يسمح بإضفاء المصداقية على السياسات المتبعة، وبتعبئة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين وغيرهم من الجهات المعنية بالفساد، وتبعا لتظافر كل هذه العوامل، عدم تمكن الإنجازات من تحقيق الوقع الملموس على وضعية الفساد.

فقد أصبحت العديد من الملفات بالمحاكم والتي يتابع فيها منتخبون وبرلمانيون خلال الفترة الأخيرة، تشد أنظار الرأي العام الوطني، ووسائل الإعلام، لأنها مرتبطة بالفساد، من بينها قضية رئيس الجماعة الترابية حربيل تامنصورت التابعة لعمالة مراكش، والذي حكم عليه بعقوبة حبسية بسنتين وغرامة قدرها 10 آلاف درهم، بعد متابعته في حالة اعتقال لتورطه في قضية رشوة مقابل الحصول على وثائق إدارية، كما تمت معاقبة رئيس الجماعة القروية الصميعة بإقليم تازة، بأربع سنوات حبسا نافذا وغرامة مائة ألف درهم وتعويض 100 مليون لخزينة الجماعة، بعد متابعته في قضية اختلاس أموال عمومية، إلى جانب قضية رئيس جماعة سيدي بنور الذي صدر في حقه حكم قضائي بـ 8 أشهر غير نافذة وغرامة قدرها 66 ألف درهم، بسبب تورطه في قضية رشوة، حيث لازال يترأس مجلس الجماعة الترابية رغم أن الحكم يعتبر نهائيا بسبب عدم استئنافه، مما دفع بمستشارين عن المعارضة لمراسلة عامل الإقليم من أجل التدخل لمباشرة مسطرة العزل في حقه.

الملاحظ أن هناك العديد من القضايا المرتبطة بالفساد طفت مؤخرا على الواجهة الإعلامية، من أبرزها قضية البرلماني عبد القادري البوصيري، المتابع من قبل النيابة العامة بفاس في قضية المحجز البلدي المتعلقة بـ”تبديد أموال عمومية والتزوير في محررات رسمية واستعمالها”، بالإضافة إلى قضية البرلماني (ع. و) عن إقليم العرائش المتابع إلى جانب أربعة محامين ومنتدب قضائي بتهمة “تكوين عصابة إجرامية والتزوير في محرر رسمي وإخفاء وثائق عامة وخاصة”.

تتمة المقال بعد الإعلان

وحسب مصادر مطلعة، فإن وزارة الداخلية بعد توصلها بتقرير للمفتشية العامة للإدارة الترابية، تعتزم إحالة مجموعة من ملفات رؤساء جماعات سابقين وحاليين على المحاكم المالية، حيث من المنتظر أن يتم إخراج ملفات بعض رؤساء مجالس منتخبة سابقين وعرضها على القضاء لأجل محاكمتهم حول اختلاسات مالية وتلاعبات في ملفات إدارية، أو تفعيل مسطرة العزل في حقهم بعدما أكدت تقارير المفتشية تورطهم في خروقات واختلالات مالية وإدارية خطيرة.

وفي هذا الصدد، وجه محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، نداء: “أوقفوا نزيف الفساد قبل فوات الأوان”، منبها إلى “تعمق الفساد الذي أصبح يضرب في كل مكان دون أي تمييز وتشكلت شبكات أخطبوطية قادرة على فعل كل شيء وسرقة كل ما لا يمكن أن يخطر على البال”، معتبرا أن “التأخيرات المتعددة في محاكمة المتهمين في ملفات الفساد وتبديد المال العام، من شأنها أن تساهم في هدر الزمن القضائي وإطالة أمد المحاكمة بشكل غير معقول”.

وتحدث الغلوسي في صفحته على “الفايسبوك”، عن شبكة الفساد التي تم توقيفها وتضم عددا من المسؤولين والأطر الصحية في تازة قائلا: “نموذج فقط من تلك الشبكات ما كشفت عنه الأبحاث والتحريات التي باشرتها الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بفاس، تفكيك شبكة ضمنها مدير مستشفى وموظفون وأصحاب مصحات يشتبه في تزويرهم لوثائق كوسيلة للاستيلاء على معدات وأجهزة طبية تعود لمستشفيات عمومية وإعادة بيعها كمتلاشيات، ويتعلق الأمر ببيع الأسرّة والأواني والشاشات والمكيفات والحواسيب، وبيع كل ذلك إلى أصحاب مصحات خاصة بمدينة تازة”، واعتبر الغلوسي أن “الوقائع الواردة في بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني بخصوص تفويت أدوات وأجهزة طبية بمدينة فاس إلى لوبي المصحات الخاصة، يقتضي من وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بفاس، صاحب الاختصاص القضائي، تحريك مسطرة الاشتباه في تبييض الأموال وحجز ممتلكات المتهمين المفترض تورطهم في هذه القضية الشائكة”.

تتمة المقال بعد الإعلان

وأكد نفس المصدر، أن “على الدولة أن تكون حازمة في التصدي للفساد والرشوة والابتزاز، وأن تضرب بيد من حديد على كل من يتلاعب بالقانون ويستغل كل المراكز والمواقع الوظيفية للإثراء غير المشروع وتعميق الفساد في الحياة العامة، فالمغاربة ضجروا كثيرا من التمييز في تطبيق القانون واستمرار الفساد والرشوة وتعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية”.

وانتقدت المعارضة البرلمانية عدم اهتمام الحكومة بمحاربة الفساد الذي أصبح يكتسح العديد من المجالات، بعدما كشفت مؤشرات إدراك الفساد، الواردة في تقرير منظمة الشفافية الدولية، عن تراجع المغرب بسبع درجات، منتقدة ضعف الاستراتيجية الوطنية في محاربة الفساد التي لا يظهر لها أي تنزيل على أرض الواقع، خاصة في ظل تقارير هيئات الحكامة التي تقر بوجود الفساد، وعدم نجاح استراتيجية الرقمنة في تأدية أدوارها، ونحن اليوم أمام حكومة زواج المال بالسلطة، وتشجيع اقتصاد الريع، الشيء الذي لا يمكنه إلا أن يؤسس لتوطين الفساد، الذي يبقى عقبة رئيسية ولا يمكن أن ينجح أي مشروع إصلاحي دون محاربته.

وقد سجلت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، في تقريرها السنوي، تراجع للمغرب في مؤشر مدركات الفساد بحصوله على درجة 39/100، وبهذا يكون قد كرس مسلسل التراجع الذي انطلق منذ سنة 2018 بعد حصوله على 43/100، ليتراجع بدرجتين في سنة 2019 بحصوله على 41/100، ثم سنة 2020 بحصوله على 40 نقطة، قبل أن يتراجع في سنة 2021، منبهة إلى تطور الفساد على المستوى الوطني من خلال استطلاعات الرأي المنجزة في إطار مؤشر الثقة، الذي جاءت نتائجه في سنة 2021 سلبية مؤكدة التغلغل الكبير للفساد، حيث اعتبر 95 في المائة من المستجوبين أن الرشوة منتشرة على نطاق واسع منهم 66 في المائة يعتقدون أنها منتشرة جدا و27 في المائة يرون أنها منتشرة إلى حد ما.

تتمة المقال بعد الإعلان

كما كشف تقرير رسمي للهيئة ذاتها عن ارتفاع حالات الاشتباه في جرائم غسل الأموال في المملكة بزيادة كبيرة مقارنة بمخرجات آخر تقرير لعام 2020، حيث كشفت تلقيها خلال عام 2021 ما مجموعه 3409 تصاريح بالاشتباه بحالات مرتبطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وحسب بعض الخبراء، فإن محاربة الفساد في المغرب باتت في حاجة إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على المحاسبة والعقاب، لأن الاستمرار في رصد أرقام وتقارير بخصوص هذه الظاهرة، لن يغير شيئا، على العكس اليوم، بلغنا مرحلة التعايش حيث لم تعد الظاهرة دخيلة على المجتمع، ما أفقد المواطن الثقة في السياسة والمؤسسات.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى