الـــــــــــرأي

الرأي | سياسة البؤس في الأندلس

بقلم: محمد محمد الخطابي

    الحزب الإسباني اليميني المتطرف “فوكس” الذي يعني باللغة اللاتينية “الصوت”، والذي يرأسه اليميني المتطرف أباسكال، يرى غير قليل من المحللين الإسبان وغير الإسبان، أن هذا الحزب منذ ظهوره عام 1913، قد شكل مفاجأة غير سارة للعديد من الإسبان، وللمهاجرين المقيمين في الديار الإسبانية، وللعاشقين للديمقراطية والعدالة في إسبانيا وأوروبا وفي العالم أجمع، بعد الفوز النسبي الذي حققه في الانتخابات الإسبانية الأخيرة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وقد أصبح هذا الحزب المتطرف بالفعل مفتاح السر للوصول إلى دفة الحكم في إقليم الأندلس، حيث اتفق بتاريخ 26 دجنبر 2018، كل من “الحزب الشعبي” و”حزب المواطنين” مع “فوكس”، على صيغة للإطاحة بالحزب الاشتراكي العمالي من سدة الحكم في الأندلس، والذي دام ما ينيف عن 36 عاما.. وكان “الحزب الشعبي الإسباني” المعارض الذي حصل على 26 مقعدا، و”حزب المواطنين” الذي حصل على 21 مقعدا، والحزب اليميني “فوكس” الحاصل على 12 مقعدا في ذلك الإبان، كل ذلك كان قد شكل أكبر مفاجأة غير سارة للعديد من الإسبان، ولغير الإسبان، وبذلك أصبح رئيس “الحزب الشعبي” في الأندلس خوان مانويل مورينو، رئيسا للمجلس الأندلسي.

وتجدر الإشارة إلى أن كلا من “الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني” كان قد حصل في هذه الانتخابات على 33 مقعدا، وحزب “الأندلس إلى الأمام” الذي يتألف من تحالف مجموعة من أحزاب يسارية أندلسية بما فيها حزب “بوديموس”، كان قد حصل على 17 مقعدا، وكان هذا الاتفاق بين الأحزاب الثلاثة قد خلف استياء واسعا لدى العديد من الأوساط الإسبانية وخارج إسبانيا، كما وُصف هذا الإجراء من طرف التنظيمات الحزبية الإسبانية الأخرى، ومن طرف العديد من المراقبين والملاحظين، أنه عار وإهانة لا تُغتفر، ولطخة في وجه الديمقراطية الإسبانية.

تتمة المقال بعد الإعلان

ومن المعروف أنه كان لهذه الانتخابات الجهوية تأثير بالغ على الانتخابات التشريعية الإسبانية العامة التي جرت في شهر يونيو 2020، حيث كانت أحزاب المعارضة (الحزب الشعبي الإسباني، وحزب المواطنين) تطالب رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، بالإسراع في تنظيم هذه الانتخابات العامة في أقرب الآجال، نظرا للتعثرات والصعوبات والعراقيل التي تعرفها حكومته، بحيث لم يتمكن من إقرار وتمرير ميزانية الدولة حتى اليوم.

والذي يعنينا في هذا المقال، هو تسليط الضوء على بعض بنود البرنامج الانتخابي الذي تبناه واعتمده حزب “فوكس”، الذي لا يتورع بعض المراقبين والمحللين والعديد من المواطنين الإسبان، في وصفه بـ”الحزب الفاشي، اليميني، العنصري، الغارق في الطوباوية والتطرّف”، كما نعت برنامجه بـ”المناهض للدستور، والشعبوي، والسّطحي، والمثير للسخرية”، والذي يقوم على إيديولوجية تنأى عن الواقع ويستحيل تطبيقها، وتنفيذها، وإنجازها في المجتمع الإسباني في الوقت الراهن المتشبع بالمبادئ الديمقراطية منذ الطفرة التي قام بها خلال المرحلة الانتقالية من نير الدكتاتورية إلى نور الديمقراطية التي عاشها الإسبان، بعد رحيل الجنرال فرانكو عام 1975، الذي حكم إسبانيا بيد من حديد.

ومن أغرب المفاجآت التي سجلتها ونشرتها الصحافة الإسبانية وكانت عرضة للسخرية، هي أن أُسقف مدينة قرطبة، ديميتريو غونزاليس، كان قد عبر عن سروره وغبطته بالنجاح الذي حققه هذا الحزب اليميني المتطرف في الانتخابات التي جرت بإقليم الأندلس!

ويجدر التذكير، أن هذا الأسقف كان من الداعين إلى تغيير اسم “مسجد قرطبة الأعظم” إلى “كاتدرائية قرطبة”، وهو ما جلب عليه العديد من الاحتجاجات والانتقادات من طرف السكان القرطبيين، ومن المثقفين، والمؤرخين وسواهم من الشعب الإسباني.

وفيما يلي بعض بنود المطالب الأساسية التي اعتمد عليها هذا الحزب في الانتخابات الأخيرة، والتي يضعها في مقدمة سياسته المستقبلية في الأندلس، وفي سائر المناطق، والأقاليم الإسبانية الأخرى منها: إلغاء نظام سياسة الحُكم لدى الجهات المُستقلة التي تتمتّع بها المناطق الإسبانية في الوقت الراهن، التعجيل في هذا القبيل بالجهة المستقلة لأقاليم كاتالونيا والباسك ونافارّا، إلغاء سياسة الحُكم الجهوي المستقلّ مستقبلاً في جميع المناطق الإسبانية، ويؤكّد على ضرورة الحفاظ كمطلب أعلى وبشكل أوّلي على الرّموز الوطنية المتوارثة مثل التاج الإسباني (الملكية) والنشيد الوطني الرّسمي الإسباني، والعلم الإسباني، واللغة الإسبانية، الإسراع بالقيام بالمساعي الحثيثة للمطالبة باسترجاع جبل طارق لإسبانيا الواقع تحت الهيمنة البريطانية منذ 21 عشت 1704، إلغاء الذاكرة التاريخية، تشجيع الإسهامات الإسبانية في الحضارة العالمية، تمجيد أبطال إسبانيا الوطنيين على امتداد التاريخ، ترحيل جميع المهاجرين غير الشرعييّن، وكذلك هؤلاء الذين تمّت تسوية وضعيتهم القانونية إلاّ أنّهم لا يتأقلمون مع ثقافتنا وعوائدنا، قبول المهاجرين فقط إذا دعت الضرورة والحاجة لذلك اقتصاديا واجتماعيا وعمليا، مطالبة المغرب بالاعتراف الكامل بسبتة ومليلية كمدينتين إسبانيتين، الإسراع بتعليق وضعية أو نظام “شينغن”، العمل على تخفيض جذري لضريبة الدخل والشركات إلى نسبة 20 بالمائة، وضريبة القيمة المضافة إلى نسبة 4 بالمائة، إحداث نظام واسع من المزايا الضريبية لصالح العائلات الإسبانية، إلغاء الضرائب الوراثية والضرائب العقارية، ضرورة إلغاء العلاج والخدمات الصحيّة المجّانية للمهاجرين غير الشرعييّن، المطالبة بالدفع المشترك لمستحقات العلاج والتداوي للمهاجرين الشرعييّن الذين يتمتعون بأقدمية تعود إلى أقل من عشر سنوات في إسبانيا، حرية اختيار تمدرس الأبناء من طرف آبائهم، تعزيز حماية مزاولة مصارعة الثيران والصّيد في مجموع التراب الإسباني، إلغاء قانون العنف ضد المرأة، تحمّل وتكفّل الدولة الإسبانية بالكامل بالمستحقّات المادية المرضية للمواطنين الإسبان، حظر الإجهاض، استعادة السيادة القضائية للدولة المتنازل عنها اليوم لأوروبا، وسواها من المطالب الغريبة التي تروم العودة بإسبانيا إلى أواسط القرن العشرين..

ويتضح من خلال هذا العرض، مدى انسجام وتواؤم هذه الإجراءات التي يطالب بها حزب “فوكس” المتطرّف بمعاني القهر، والدكتاتورية المطلقة، والعنصرية، وتمركز الإدارة للدولة في الحكومة المركزية بمدريد، وإلغاء الجهويات، وإذكاء روح الانتقام من المرأة بدلا من تأصيل العدالة، وحرمان المحتاجين والمعوزين من أبسط مظاهر الرفاهية، والحقوق المشروعة والخدمات الضرورية لهم، ونشر الديماغوجية الخالصة، وإشاعة أنصاف الأكاذيب، وتُشمّ في هذه النصوص رائحة الانتقام بدل إقرار العدالة الاجتماعية، فضلا عن تشجيع الحزب للذكورية الرجولية ضد الحركات والمكاسب النسائية، فضلا عن مظاهر الشعبوية والهذيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى