الـــــــــــرأي

نافذة للرأي | من المسؤول عن عودة المفسدين المحترفين إلى كراسي المسؤولية ؟

بقلم: حسوني قدور بن موسى 

محامي بهيأة وجدة

تتمة المقال بعد الإعلان

    نجح البرلمان في دول عديدة في إقالة عدد من الرؤساء والمسؤولين الكبار من مناصبهم بسبب تهم الفساد واختلاس أموال عمومية، في حين اضطر آخرون إلى تقديم استقالاتهم طواعية خوفا من محاكمتهم، كما قررت بعض الشخصيات السياسية الانسحاب من المعارك الانتخابية لمجرد شبهة تناولتها الصحافة كما فعل فرانسوا فيون، الذي كان مرشحا لرئاسة الجمهورية في فرنسا ضد نيكولا  ساركوزي، فأعلن عن انسحابه من الانتخابات بسبب إثارة الصحافة مجرد شبهة ضده والتي أغرقته بسيل من الوحل فتراجع عن المشاركة في الاستحقاقات الرئاسية، وذلك من أجل حفظ كرامته، كما أن رئيس الوزراء الفرنسي ، بيير بيرجوفوي في عهد الرئيس فرانسوا ميتران، انتحر بعدما تم الكشف عن تورطه في فضيحة مالية، وبعد أن انفجرت فضيحة الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار دي ستان، والمتعلقة بحصوله على جواهر ثمينة من إمبراطور إفريقيا الوسطى بوكاسا، فانسحب نهائيا من الحياة السياسية، كما أن وزير الإسكان بولان في حكومة  جيسكار، انتحر بسبب فضيحة تسجيل أراضي عقارية في اسم زوجته، وفي اليابان، انتحر وزير الزراعة توشيكاتسو ماتسوكا، بعد أن شنق نفسه قبل مواجهته استجوابا أمام لجنة برلمانية، وكان قد تعرض لانتقادات بسبب فضائح تورطه في التلاعب بمناقصات خاصة بمشاريع للأشغال العامة، وفي سنة 1974، اضطر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، إلى تقديم استقالته من منصبه، خوفا من أن توجه إليه تهمة التستر على نشاطات غير قانونية لأعضاء حزبه الجمهوري في فضيحة “واترغيت” تحت وطأة تهديد الكونغريس، كما تعرض الرئيس الأمريكي المشهور، هاري ترومان، للعديد من الانتقادات خلال عهدته، خاصة في انتخابات الرئاسة الأمريكية سنة 1948، وفضيحة سقوط  شبكات الشيوعية داخل إدارته وظهور بوادر للفساد والتي كانت قضية جوهرية أثرت في تدني شعبيته وعدم دخوله للانتخابات لفترة ثالثة، كما أثرت هذه الفضائح على الحملة الانتخابية الرئاسية للمرشح الديمقراطي وخليفته أديلاي ستيفنسون، في سنة 1952، مما أدى إلى خسارته أمام المرشح دوايت إيزنهاور، وفي سنة 2007، استقال الرئيس الإسرائيلي موشي كاتشاف، من منصبه بعد اتهامه بالتورط في فضيحة اعتداء جنسي، وكذلك في سنة 2000، استقال الرئيس الإسرائيلي عيزرا وايزمان، من منصبه بعد فضيحة تهرب ضريبي وفساد.

نجح البرلمان في دول عديدة في إقالة عدد من الرؤساء والمسؤولين الكبار من مناصبهم، وأجبر آخرون على تقديم استقالاتهم طوعا خشية بدء إجراءات التحقيق والإقالة، وكانت رئيسة كوريا الجنوبية بارك غون هاي، آخر اسم أسقطه البرلمان بتأييد من المحكمة الدستورية في 10 مارس 2017، وفي الإكوادور عام 2005، وجهت تهم إلى الرئيس لوسيو غوتيريز، بتعيين أقرباء له في المحكمة العليا، وبسبب هذه التهمة أصدر البرلمان قرارا بإقالته من منصب الرئاسة، وفي سنة 2016، استطاع أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان البرازيلي إقالة الرئيسة ديلما روسيف، بتهمة التلاعب بالحسابات العامة على إثر إجراءات طويلة أثارت جدلا كبيرا، وفي فنزويلا، قام البرلمان بتعليق مهام الرئيس كارلوس أندريس بيريز، المتهم باختلاس أموال والإثراء غير المشروع، وفي الإكوادور، تمت إقالة الرئيس عبد الله بوكرم من منصبه، بسبب اختلاس أموال عمومية، وفي البيرو، أقيل الرئيس ألبرتو فوجيموري من منصبه يوم 21 نونبر 2000، بتهمة الفساد، وفي أندونيسيا، وجهت تهمة سنة 2001 إلى الرئيس عبد الرحمان وحيد، بعدم الأهلية وارتكاب جرائم فساد، وفي ليتوانيا، أقيل الرئيس رولانداس باكساس، من منصبه سنة 2004، بسبب انتهاك خطير للدستور ومخالفة القسم الدستوري ومنح الجنسية الليتوانية لرجل أعمال من أصل روسي كان قد دعمه ماليا  في الانتخابات الرئاسية.

تتمة المقال بعد الإعلان

هؤلاء المسؤولون استقالوا من مناصبهم أو انتحروا، لأن عزة النفس هي أن تسمو وتبتعد عن كل ما يقلل من قيمتك، وعزة النفس هي الشيء الوحيد الذي إن خسره الإنسان لن يقوى بعدها على تحدي أي شيء، فيجب على كل إنسان أن يكون من ذوي الشخصية القوية المتصفة بعزة النفس والقوة في اتخاذ القرارات.  ومما لا شك فيه، أن عودة المفسدين المحكوم عليهم باختلاس أموال عمومية تحت أنظار النيابة العامة، تعتبر مهزلة سياسية تعيق النمو الاقتصادي وكل أهداف خطط التنمية طويلة وقصيرة الأمد، وإهدار موارد الدولة وهروب الاستثمارات سواء وطنية أو أجنبية، لغياب حوافزها والإخلال بالعدالة التوزيعية للدخل والموارد وإضعاف الفعالية الاقتصادية واتساع الهوة بين الفئات الفقيرة والغنية، وتشويه دور الحكومة بشأن تنفيذ السياسة العامة في البلاد، نتيجة تدمير هبة دولة القانون والمؤسسات، وإقصاء أصحاب الكفاءات والنزاهة وضياع كل جهود الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا كله يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي الذي يؤدي بدوره إلى الاضطرابات وانهيار النسيج الاجتماعي وانتشار الكراهية بين طبقات المجتمع بسبب انعدام العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

والسؤال المطروح بشدة هو: من المسؤول عن عودة المفسدين المحترفين إلى كراسي المسؤولية؟ هل المواطنين الذين صوتوا مقابل المال الفاسد، أم الدولة، أم وزارة الداخلية التي وافقت على تزكية هؤلاء المفسدين، أم القضاء ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى