الـــــــــــرأي

الرأي | “الرقية” النقدية و”صرع” النصوص

بقلم: محمد العزوزي

    قد يبدو التساؤل عن فحوى العلاقة بين الرقية كممارسة مبنية على الدجل والنقد أمرا غير مستساغ أو لا معنى له، لارتباط النقد بالعقل وحقول المعرفة والعلم والثقافة والفنون والآداب..

تتمة المقال بعد الإعلان

وارتباط الرقية بالدجل الذي ينتعش في البيئة التي تغيب فيها كل تجليات التفكير والعقل والنقد، ويحضر الدجل والشعوذة اللذين يتسيدا هذه البيئة التي يصبح فيها التوسل بكل الخرافات والأوهام مباحا ما دامت تفي بالغرض في تخدير العقول للتسليم بالعجز ونبذ كل ما هو نقدي وعقلاني.

ويتجلى هذا الدجل على المستوى الأدبي، في كتابات البعض ممن يطلقون على أنفسهم نقادا وهم بعيدون كل البعد عن النقد ومقوماته، فهذا النوع من الكتابات لا يختلف عما يقوم به الرقاة في تعاملهم مع المرضى الحقيقيين أو الذين يتوهمون بأنهم مرضى، فهؤلاء النقاد لا يختلفون عن الرقاة إلا في من يمارسون عليهم رقيتهم، فالرقاة يدعون صرع الجن، والنقاد يصرعون النصوص الرديئة وممارسة الرقية عليها بمجموعة من التعاويذ التي تتكرر بنفسها، ولأكثر من مرة، عند قراءة كل نص جديد، وهو ما يتجلى في تلك التعاويذ النقدية التي تتكرر في كل الجهات وقد تجدها في صفحات المجلات والجرائد وعلى جدران “الفايسبوك” والشبكات الاجتماعية، وأين ما وليت وجهتك تجد هذه الكائنات التي تتصيد المبتدئات في الكتابة ونصوصهم كما يتصيد الرقاة الجنس الأنثوي الذي يتلاعبون بعقله والنصب عليه مستخدمين شتى الحيل والألاعيب، ويصل هذا التلاعب بالعقول إلى درجة الاغتصاب إذا كانت الضحية جميلة وساذجة يسهل استدراجها.

تتمة المقال بعد الإعلان

‏‎‎فأين الموهبة في نص مهزوز البناء وركيك اللغة وبنياتها، وهو الأول وصاحبته لا تعرف من أين تدخل إلى عالم الكتابة ولا تميز حتى بين الأجناس الأدبية، هل ما تكتبه شعر، أم قصة أم هايكو، أم شذرة إن كانت هي من كتبت، أما إذا كتب لها فذاك أمر آخر ودليل على أن الراقي النقدي استطاع استخراج الجن العاشق منها وأمره بأن يتلبسه هو ليكتب لها نيابة عنها أو بمشاركة جني آخر دون أن تحرك ساكنا، حتى اسمها لن تتحمل عناء وضعه تحت النصوص، كل ما عليها هو المواظبة على جلسات الرقية النقدية التي يحددها الراقي النقدي، وما عليها إلا الانصياع لعمليات الصرع التي سيقوم بها عليها حتى تتخرج شاعرة أو كاتبة وما شابه ذلك من الصفات والألقاب.

هذا وجه من وجوه الدجل النقدي الذي ساد مع هيمنة الشبكة العنكبوتية وإسدالها لخيوطها على كل مناحي الحياة، خصوصا بعد تدفق المعلومات بشكل لا يمكن التحكم فيه وتقييمه أو إبراز الغث والسمين‎ ‎منه أو وفحص الجيد والرديء منه نقديا.‏

لكن الوجه الذي لم يندثر، هو ما يمارس على القارئ حتى يتم توجيهه وتطويعه للقبول بالأصنام الأدبية التي تمت صناعتها في ظروف تاريخية وسياسية مشبوهة، وجندت لها كل الآليات من إعلام وأحزاب وسلطة تقدم على أنها أعلام ونجوم، وغيرها من التسميات التي تحمل التملقية التي نادرا ما يجود بها التاريخ والزمن، وما هي في الواقع والحقيقة إلا مجموعة من مقترفي الرداءات تم إلباسهم لباس الإبداع في ظروف مشبوهة لتنجز بها بعض المهمات أو أسماء أبدعت في زمن وتوقف معين الإبداع لديها، فعوض أن تتوقف لتراجع تجربتها وتتبين مدى توفقها من عدمه، تمادت في الكتابة، فصارت تكرر نفسها بعد أن أوهمها رقاة النقد وزينوا لها تلك التكرارات بالكلام المنمق بالنفاق أنها مبدعة وقادرة على المواكبة، فركبت غرور الذات وصارت تطحن وتستهلك حتى الرصيد الإبداعي الذي أنجزته في السابق، والذي عوض أن تبني عليه، صارت تهدمه وتقلل من قيمته بنفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى