الـــــــــــرأي

الرأي | المغامرات العسكرية الجزائرية إزاء المغرب

بقلم: عبد الحي الوهراني

    لا يخفى على كل مهتم بالميدان السياسي والعسكري، بل وحتى الاجتماعي، في منطقة المغرب العربي، الوضع الذي يغلي على صفيح ساخن، والمتمثل في التوتر الأخير بين الجارين الجزائر والمغرب.

تتمة المقال بعد الإعلان

هذا الوضع الذي أصبح خطيرا للغاية ولا يبشر بالخير، يجعلنا نتساءل عن النيات المبيتة لدى النظام الجزائري تجاه المغرب، كما يجعلنا نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء هرولة النظام الجزائري وتسريع خطاه نحو إشعال المنطقة، وإدخالها في معمعة حرب قد تكون الأقسى والأفظع في تاريخ شمال إفريقيا، وقد لا تضاهي فداحة خسائرها على جميع الأصعدة سوى الحرب العالمية الثانية، ولا نضخم ما قد تخلفه هذه الحرب إذا ما وقعت لا قدر الله، ولكننا نطلق هذا التكهن لا على شكل المجاز، وننطلق مما نعرفه من خلفيتنا وخبرتنا في المجال العسكري الذي احترفناه لمدة طويلة، وهو ما يجعلنا نعلم أن المغرب يستعد منذ مدة للدفاع عن أرضه، والجزائر تبدي استعدادا للاعتداء.

 بعد حرب “الرمال” بثلاث سنوات تقريبا، عرفت الجزائر انقلاب الهواري بومدين سنة 1965 ووصوله إلى رأس السلطة ووضعه أحمد بنبلة رهن الإقامة الجبرية، ولم يكتف بومدين بهذا الاعتقال والاعتداء، بل وصل به الحال إلى وصف بنبلة بأقدح النعوت، وبأنه كان مشعوذا ومغامرا، في خطاب له ألقاه أمام المهرجان الثقافي الإفريقي الذي نظم في الجزائر سنة 1969، مما يبين عن حقد شخصي لا علاقة له بمصلحة الجزائر العليا، وسياسة التخوين والتعنيف بجميع أشكاله ستصبح هي الوسيلة المتبعة في معاملة أي معارض أو أي مواطن سولت له نفسه أن يتجرأ ويعلن انتقاده للوضع في الجزائر.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي سياق القمع والترهيب اللذين مارسهما بومدين وأعوانه تحت مسمى التصحيح الثوري، كان لا بد أن تعرف الجزائر اختناقا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فلم يجد بومدين سوى الفرار نحو اختلاق مشاكل خارجية مستحضرا مرارة الهزيمة في 1963 والدخول في مغامرات ضد الجار الغربي، مؤسسا عقيدة قديمة جديدة في الآن نفسه، يعتنقها كل دكتاتور وصل إلى السلطة بطرق غير شرعية، وهي عقيدة خلق عدو يستعمل كشماعة لتعليق كل فشل داخلي عليها.

وللعلم، فقد كانت حرب “الرمال” وخيمة في نتائجها، رغم قصرها في الزمان والمكان، والعبرة هنا ليست النتائج التي خلفتها من ضحايا في الأرواح وخسائر مادية ومعنوية، بل ما سوف تصبح عليه عقيدة الجيش الجزائري المنبثقة أساسا من نفسية الديكتاتور المهزوم ونزعته الانتقامية، والذي فوجئ بأن المغرب ليس بذلك الخصم السهل تطويعه أو إخضاعه باستعمال القوة العسكرية، ولا يتمثل فقط في النظام الملكي، بل هو ملك وشعب وجيش، كل منهم ينصهر في الآخر، وكل واحد جزء لا يتجزأ من الآخر، وهو كتلة متجانسة لا يمكن إحلالها، ما حذا بهذه العقيدة العسكرية في الجزائر إلى أن تتحول من جيش وطني مهمته الدفاع عن حوزة الوطن وحماية حدوده، إلى جيش يسيطر على كل مفاصل الدولة ويعمل على منهجة العداء للمغرب، ومحاولة إقناع الشعب ولو بصعوبة بالغة، بأن كل ما حصل ويحصل وسيحصل، هو نتاج لتغلل يد المخزن المغربي في الجزائر، وبأن الجيش الشعبي الجزائري هو الضامن الوحيد لوقف هذا التغلغل وكبح جماح الأطماع المخزنية في التوسع، حسب قوله، فما كان من جنرالات الجزائر إلا أن استغلوا الفراغ الذي خلفه المغرب في التواصل والتأطير للشباب الصحراويين ضد المحتل الإسباني، فاستقطبوهم وأسقطوهم في مستنقع الخيانة، وأطروهم وسلحوهم وأشبعوا رغبات الطمع لدى البعض منهم، وأقنعوهم بأنهم شعب وبأنهم يستحقون دولة، بمعونة من معمر القذافي، الذي تاب عن ذلك في ما بعد، حتى يكونوا (أبناء الأقاليم الجنوبية) شوكة في حلق المغرب تعيقه عن أي تقدم أو ريادة للمنطقة، وتجعله ضعيفا همه الحرب في الجنوب، في ظل تزايد القوة العسكرية الجزائرية، التي أتخمها المعسكر الشرقي آنذاك بالسلاح، وفرض رؤيتها على عديد من الدول الإفريقية ولو بالرشاوى والفساد.

حاول العسكر في الجزائر أن يجس النبض واختبار جاهزية القوات المسلحة الملكية المغربية، وأقدم على مغامرات عسكرية يمكن تسميتها بالتجريبية ضد المغرب، في معركة “أمغالا” الأولى أواخر شهر يناير 1976، حين دفعت الجزائر بثلاثة ألوية مدعمة بعناصر من البوليساريو وعلى ثلاث جبهات: في أمغالا، تيفاريتي، والمحبس، فواجهها المغرب بقوة عسكرية ذات شحنة وطنية وسياسية تنم عن الوحدة والتماسك بين كل أجزاء الوطن، بأن تكونت القوة المغربية من وحدة لجبهة التحرير، ووحدة أخرى بقيادة النقيب الصحراوي ابن المنطقة، حبوها الحبيب، وفيلقين للمشاة بقيادة الكولونيل بن عثمان، ومن جديد يجد الجيش الجزائري نفسه في موقف لا يحسد عليه، فتدخل مصر وتونس والجامعة العربية على الخط، لحقن الدماء، ويستغل الجيش الجزائري التدخل العربي لإنقاذ ماء وجهه، فلم يعد يتجرأ بعد ذلك على تدخلات مباشرة ضد المغرب إلا فيما عدا دعمه لانفصاليي البوليساريو بفرقة خاصة في معركة “أمغالا” الثانية، التي كانت لها نفس نتيجة “أمغالا” الأولى.

في شتنبر 1991، وبعد الفشل الجزائري الذريع في كسر شوكة المغرب وإضعافه، عقدت هدنة لوقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو بإشراف الأمم المتحدة، يتم خلالها الاستفتاء حول تقرير المصير.

وما لم تكن الجزائر تحسب حسابه، هو انهيار الكتلة الشرقية، وتطور العمل الدبلوماسي المغربي على الصعيد الدولي وعلى الصعيد الإفريقي، بعد أن أصلح المغرب أخطاءه في منظمة الوحدة الإفريقية، حين انسحب منها احتجاجا على موقفها تجاه وحدته الترابية، مفسحا المجال للجزائر وصنيعتها البوليساريو ترتعان فسادا فيها، فعاد إلى العمل على صعيد القارة السمراء بقوة وتوجيه من الملك محمد السادس، مسترجعا حقوقه المشروعة والتاريخية بريادة شمال إفريقيا، وتأكيده على مغربية صحرائه، ليس فقط بالعمل العسكري الذي دام ستة عشر سنة في الأقاليم الجنوبية، ولكن بجر دول عديدة إلى العودة لرشدها والتكفير عن أخطائها، عن طريق الاعتراف بمغربية الصحراء، بل وفتح قنصليات لها في قلب الأقاليم الجنوبية الداخلة في نطاق النزاع، بما له من رمزية وحمولة سياسية. وكانت الضربة القاضية، اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه بتاريخ 10 دجنبر 2020، فأصبح الحكم الذاتي هو الحل الواقعي والمنطقي لطي الملف، وهو الطرح المغربي أمام الأمم المتحدة، والذي تسانده العديد من الدول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى