الـــــــــــرأي

الرأي | “اليعقوبية” الفرنسية تنبعث من رمادها

بقلم: د. فؤاد بوعلي

    رسالة جديدة تقدمها “دولة الأنوار وحرية التعبير” للمنافحين عن التعددية الهوياتية واللغوية، والذين يلجؤون إليها لتنافح عنهم في مواجهة “يعقوبية” دولهم وأنظمتهم.. فبعد جدال إعلامي ومؤسساتي عرفه النقاش العمومي الفرنسي، تدخل المجلس الدستوري لرفض مشروع القانون المتعلق بـ”الحماية التراثية للغات الجهوية والعناية بها”، المشروع اقترحه النائب عن منطقة بروتاني، بول مولاك وسمي باسمه، واعتمد من طرف البرلمان في أبريل الماضي، واعتبر الأول من نوعه منذ عقود.

ينص مشروع القانون على مجموعة من الأحكام تخص حماية اللغات الجهوية وتغيير قانون “توبون” المتعلق باستخدام اللغة الفرنسية لتحديد بعض أحكامه وإجراءاته، كما يحمل المسؤولية للدولة في تعليم هذه اللغات وحمايتها والعناية بها ودعمها واستعمالها في المصالح العامة والإدارة وعلى المباني والشوارع …

وبالرغم من أن “القانون الجديد” قد رفض من طرف أعلى مؤسسة قانونية ودستورية في البلد، إلا أنه استطاع التأكيد من جديد على دور اللغة في صيانة السيادة الوطنية ودور الدولة في حماية الأمن اللغوي لشعب متعدد الانتماءات والأعراق والجهات.. ففرنسا التي يتحدث سكانها ما لا يقل عن 14 لغة محلية، حرصت منذ قرون على التماهي بين الوحدتين الوطنية واللغوية، حيث منعت اللهجات من ولوج فضاءات التعليم والإعلام والإدارة والدوائر الرسمية، بل إن فرنسا الرسمية تتذرع بقانون داخلي ورثته من زمن نابليون يحظر تعليم واستعمال اللغات المحلية، لتصر على تنكرها لقانون أوروبي جامع يفرض على الدول الأعضاء تشجيع اللغات المحلية.

كما أن النقاش الدائر حول اللغات الجهوية يؤكد كذلك أن فرنسا الأنوار التي تتغنى بالحريات المتعددة، والتي تقدم نفسها حامية للتعددية الهوياتية عندنا، وتوظف من أجل ذلك منابرها الإعلامية ووكلاءها الثقافيين ورسلها المبشرين، بل إن “العديد من نخبها يشاركون في الدفاع عن اللغة المغربية”، هي نفسها فرنسا التي تصر على جعل الوحدة الهوياتية مدخلا رئيسا لوحدتها السياسية والقانونية، فالاهتمام بالثقافات المحلية والتعبيرات الجهوية لا يتنافى في عرف نخبتها مع سيادة اللغة المشتركة في التعليم والإعلام والإدارة والخطاب الرسمي، كما يعبر عن ذلك الروائي الفرنسي، جون دوتور (ت 2011م)، الذي كان رئيسا لجمعية الدفاع عن اللغة الفرنسية: ((يجب على السلطات الفرنسية أن تقوم بعملية تطهير كبرى وتفرض غرامة 20 فرنكا فرنسيا على كل من يوظف عبارات غير فرنسية الأصل… ومن ثمة، فإن مثل هذه الفواحش سوف لن تعمر طويلا ولا يصبح الناس الأسوياء يسمعونها ويستعملونها)).. فالفاحشة في عرفهم لا ترتبط بالجانب القيمي والأخلاقي، بل تتعدى ذلك إلى اللغة ليغدو تعريفها مرتبطا بالانحراف عن قواعد اللغة الرسمية.

إن هذا الإصرار الفرنسي، الذي يتماهى مع العديد من التجارب الأوروبية، يؤكد أن وجود لغة جامعة هو المدخل الطبيعي للخروج من منطق التشظي الهوياتي الذي يهدد النسيج الاجتماعي والوطني، فوجود لغات ولهجات متعددة لا يتنافى مع اللغة المشتركة الجامعة التي تكون عنوان السيادة والمستقبل، إذ يشير بعض المهتمين بالشأن اللغوي إلى أن عدد اللهجات في ألمانيا مثلا لا يقل عن 50 لهجة، من بينها 16 لهجة رئيسية كبيرة، تقوم كل لهجة منها على نظام لغوي مستقل بقواعد خاصة وطريقة متميزة في الكلام، لكن “الألمانية القياسية ظلت لغة البلد الرسمية التي لا تزاحمها أي لغة أخرى، وكل من يطلب تعلم اللغة الألمانية في ألمانيا يجد كل المعاهد تعلم لغة واحدة هي الألمانية الرسمية”.

قد ينتفض البعض لوسم النموذج الفرنسي بكل مساوئ السياسة اللغوية الأحادية، لكنه حين المنافحة عن اللهجات المغربية، لن يجد غير نخبة باريس لتمنحه ترياق التعددية من قاموس الحريات والأنوار، ويمكن الاستدلال باللساني كلود حجاج، الذي يؤتى به من بلاد الأنوار للتنظير للغة المغربية، لكنه حين عودته يرفض أي مساس بوضع اللغة الفرنسية باعتبار ذلك يهدد الحضارة الإنسانية، ليبقى الأكيد، أن أهمية هذا النموذج تكمن في جعل اللغة المشتركة والجامعة هي محور الهوية الوطنية وعنوان السيادة.. هذا هو الأهم والباقي تفاصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى