الرأي

الرأي | إلى أين تقود “حماس” الفلسطينيين ؟

بقلم: لحسن الجيت

    أثبتت الأحداث على مدى عقود من الزمن، أن منطقة الشرق الأوسط تبقى دائما أسيرة وتحت رحمة تيارات غالبا ما تكون متضاربة في التوجهات والخيارات، مما يرشحها على الدوام لأن تبقى معرضة لهزات وتوترات إقليمية بشكل دوري، ذلك أن جشع رجال السياسة والعسكر والميليشيات التي تتجاوز أحيانا قدراتهم قدرات القوات النظامية، هو السبب في إطالة أمد هذا الصراع.

ما نعاينه اليوم من مشهد درامي على مستوى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو نتاج لتلك التجاذبات التي تقف وراءها تنظيمات متطرفة تعارض كل الجهود التي تسعى إلى إقامة السلام المبني على العدل والإنصاف وتحقيق أرضية مشتركة من التعايش بين أبناء الديانات السماوية في تلك الرقعة من العالم، كان ذلك ولا يزال هو حال “حزب الله” الذي يشتغل على أجندة لا تعني شعوب المنطقة وهو الذي يعتبر لبنان أرضا تابعة لولاية الفقيه، وكذلك اليوم هو حال حركة “حماس” التي لها مشروعها المتعارض مع مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية، فكلا التنظيمين لهما ولاءات خارجية ويتحركان في الوقت المناسب للتشويش وخلط الأوراق حينما تلوح في الأفق بوادر الانفراج وحلحلة الوضع في المنطقة.

وبلا شك، فإن التطورات التي حدثت على مستوى العلاقات العربية الإسرائيلية، قد أخذت منحى لن ترضى عنه التنظيمات المتطرفة، لأنه لا يخدم مشروعها السياسي ولا مشاريع وخطط تلك الدول المارقة التي يدينون لها بالولاء.. هذه التنظيمات – كما هي تلك الدول – تريد الإبقاء على المنطقة في حالة جمود حيث لا حرب ولا سلم، ولذلك، فما أقدمت عليه حركة “حماس” من استفزاز لا يرقى إلى مستوى الإعلان عن حرب، هو فقط بنية استدراج إسرائيل إلى ردة فعل عنيفة يتأذى منها المدنيون الفلسطينيون الأبرياء، وهو ما حصل بالفعل، ولكي يحقق قادتها ثروات من وراء ذلك.

فبكل تأكيد أن الصواريخ التي تطلقها “حماس” تقيم عليها إسرائيل الدليل لتبرهن للعالم أن وجودها بات مستهدفا، كما تروج إعلاميا أن ردة فعلها تندرج في سياق ما يعرف بسياسة الدفاع عن النفس.. هذا السيناريو ليس الأول من نوعه، بل دأبت عليه حركة “حماس” عدة مرات لتلحق بالشعب الفلسطيني دمارا وتخريبا، وفي كل مرة، تزهو بتحقيق انتصارات على إسرائيل، وتدعي أن ساعة الحسم والنصر المبين قد اقتربت، لكن سرعان ما يتراجع ذلك الاندفاع وتنهار العواطف الجياشة بعد أن يصحو الفلسطينيون على واقع أليم.

ألم يدع “حزب الله” قبل ذلك أنه حقق “نصرا إلهيا” في حربه مع إسرائيل عام 2006، واهتزت الشعوب العربية مهلهلة بينما تكبد لبنان خسائر تقدر بـ 15 مليار دولار وتهجير ما يقارب مليوني لبناني وتدمير البنى التحتية واستوت الضاحية الجنوبية، معقل هذا التنظيم، مع مستوى الأرض، وأصدر مجلس الأمن قراره 701 الذي أبعد ميليشيات “حزب الله” عن الحدود مع إسرائيل وبالضبط إلى ما وراء نهر الليطاني.. هذه هي النتائج الحقيقية التي حصدها “حزب الله” وجعل منها “نصرا إلهيا” دغدغ مشاعر الناس في العالم العربي، وكذلك ستدعي “حماس” هي الأخرى أنها انتصرت على إسرائيل بينما الواقع يقول أنها انتصرت على الشعب الفلسطيني، بتدميره وتخريبه بينما قادتها وأبناؤهم يضربون موعدا كل أربع سنوات مع الخراب، لتنهال عليهم العروض والثروات كي يدخلوا في هدنة مع إسرائيل، أما الشعب الفلسطيني فلن يحصد من ذلك سوى مزيدا من المعاناة، بينما هنية ومشعل والمرزوقي، فهم في جنات ينعمون يطوف عليهم ولدان مخلدون من الأوكرانيات بأناملهن الناعمة في “الصونة” و”الجاكوزي” و”الستيم”، أي غرف البخار المعطرة بالرياحين والقرنفل لتيسير عملية التنفس، وليتنفس الغزاويون غبار بيوتهم المدمرة.

إذن، فتاريخ هذه المنطقة هو عبارة عن حلقات من مسلسل دموي يؤدي ثمنه دائما الطرف العربي.. فإلى متى سيبقى هذا المسلسل مستمرا لا سيما وأن العرب لا يملكون خيارا عسكريا حاسما سوى تلك التمنيات الواهية والكاذبة ومخادعة النفس بنصر لن يتحقق، ورفع أكف الضراعة إلى الله لكي ينصر ما يسمى بالمسلمين، في حين أنهم المنافقون المخادعون الدجالون والله لن ينصر قوما قل إيمانهم؟ فما دام الخيار العسكري أمرا مستبعدا ومستعصيا، تبقى استراتيجية السلام في ظل التوازنات المختلة، هي الخيار الأمثل الذي يجب التمسك به في مواجهة إسرائيل.

ولعل إقامة بعض الدول العربية علاقات رسمية مع إسرائيل هو مدخل سليم لاستراتيجية السلام، ولا ينبغي لمثل هذه التطورات الدرامية المحدودة في المكان والزمان أن تحول دون مواصلة هذا الزحف الذي هو زحف السلام، ولا ينبغي للتنظيمات المتطرفة إعطاءها فرصة للوصول إلى مآربها على حساب تطلعات تلك الدول الرامية إلى إخراج الشعب الفلسطيني من دوامة العنف وتمكينه من حقوقه المشروعة على رأسها إقامة دولته إلى جانب دولة إسرائيل.

فالمغرب الذي استأنف علاقاته الرسمية مع الدولة العبرية، كان همه الأساسي خدمة قضية السلام، ولكي يكون كذلك، ترسخت لديه قناعة أن يكون على مسافة واحدة من طرفي النزاع: إسرائيل وفلسطين، وبقدر ما كان الملك يخطو أي خطوة مع الجانب الإسرائيلي، كان في الوقت نفسه أشد حرصا على أن يضع القيادة الفلسطينية المتمثلة في الرئيس محمود عباس، في الصورة عن كل صغيرة وكبيرة، ولأن انشغالات جلالته هي خدمة السلام وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني، فإن المغرب مدعو إلى التحرك الفوري لإقناع الطرفين بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وأن يحتضن المغرب تلك المفاوضات لإحداث انطلاقة على أسس سليمة في أفق إيجاد حل عادل ونهائي ودائم.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى