الـــــــــــرأي

الرأي | جرائم فرنسية في طريق التصالح بين المغرب والجزائر

بقلم: عبد اللطيف مجدوب

    يسجل التاريخ الحديث، لا سيما في شقيه الوثائقي والطبوغرافي، تدخل القوى الاستعمارية بشمال إفريقيا في العشرينيات من القرن الماضي، تمثلت في قيام طائرات إسبانية بقنبَلة مناطق شمال المغرب بغازات الخردل السام، وإقدام السلطات الفرنسية على تفجير قنابل نووية، في محاولات متكررة لكسر شوكة المقاومة الشعبية في كلا البلدين: المغرب والجزائر، الأولى إبان حرب الريف، تمثلت في إمطار القوات الإسبانية مناطق بشمال المغرب بوابل من غاز الخردل السام، والثانية تجارب ونفايات نووية أقدم عليها المستعمر الفرنسي بمناطق جنوب الجزائر، وما ترتب عنهما من تداعيات صحية، ما زال سكان المنطقتين يعانون منها حتى الآن، سواء تعلق الأمر بالغازات السامة وما نجم عنها من استفحال حالات السرطان الرئوي بمناطق الريف شمال المغرب، أو النفايات النووية التي كانت لها مضاعفات جد خطيرة على التشوهات الخلقية التي أصابت السكان بمناطق أرقان الجزائرية، فضلا عن أثارها على المدى البعيد، سواء على الغطاء النباتي أو الحيواني.

ومعلوم أن القوى الاستعمارية الفرنسية، بأرض الجزائر، دشنت دخولها النووي بتجريبها لأسلحة دمار شامل كيميائية ونووية وصواريخ باليستية قامت بها في عدة مواقع بجنوب البلاد، استمرت إلى ما بعد الاستقلال سنة 1966، وكانت فرنسا وإسرائيل، المتعاونتان على صنع أول قنبلة نووية، تدركان أن سكان منطقة التفجير (أرقان) سيعانون لفترة تزيد عن 4500 سنة من وقع إشعاعات نووية تأتي على الإنسان والحيوان والنبات، ولإدراك مدى مفعول هذه التفجيرات، نسوق على سبيل المثال قنبلة “اليربوع الأخضر” بتاريخ 25/04/1961، والتي بلغت قوة تفجيراتها النووية إلى 127 كيلوطن، كما صرح بذلك الجنرال فاو.

أثار صحية ما زالت مستشرية

    لقد مضت عشرات العقود على القصف الإسباني السام لمناطق الريف شمال المغرب، وكذا التفجيرات النووية الفرنسية وما خلفته من إشعاعات، ومع كل هذا الإرث الاستعماري البغيض، ما زالت القوى الاستعمارية، ممثلة في فرنسا وإسبانيا، تتجاهل هذه التركة اللاإنسانية التي ذهب ضحيتها حتى الآن أكثر من 60 ألف مواطن بين مرضى السرطان الرئوي، ومصابين بتشوهات خلقية، رغم المساعي المسجلة من طرف بعض الجمعيات، بمطالبة الجارة إسبانيا بإصدار اعتذار رسمي وجبر الضرر.

نشاط دبلوماسي جزائري محموم

    شهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية في الآونة الأخيرة، تدهورا ملحوظا، من خلال تلكؤ السلطات الفرنسية عن الاستجابة لمطالب الأطراف الجزائرية بالكشف عن أرشيف الاستعمار الفرنسي بالجزائر والجرائم التي اقترفتها بحق المقاومة الجزائرية، وفي آن واحد، دعوة باريس إلى تمكين الجزائر من الخرائط الطبوغرافية النووية ذات الصلة بالجنوب الجزائري الذي شهد غداة استقلاله تجارب نووية على مدى سنوات، كانت لها تداعيات جد خطيرة، ما زالت مناطق واسعة من الجنوب تعاني من ويلاتها حتى الآن.

كما يرى مراقبون، أن الجزائر، وأمام مطالبتها فرنسا بالتعويضات الناجمة عن نفاياتها النووية على أرضها، بإمكانها أن تلوح بورقة البترول والغاز في وجه فرنسا (450 ألف برميل يوميا + 2 طن من الغاز الطبيعي) إذا هي أصرت على تعنتها ولم ترضخ لمطالب الجزائر.

 

المغرب في موقع قوة

    كان المغرب بالأمس القريب، ومن خلال مفاوضاته بخصوص الاتفاقيات والشراكات التي تربطه بالاتحاد الأوروبي أو بإسبانيا (وخاصة الصيد البحري)، في وضعية منعزلة لا سند له، وبالتالي، كانت مكاسبه ضئيلة علاوة على حوامضه التي كانت تقابل أحيانا بالمصادرة من قبل جمعيات فلاحية أوروبية، وعلى رأسها إسبانيا، لكن اليوم، وفي ضوء متغيرات سياسية راهنة يتصدرها التطبيع المغربي الإسرائيلي والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، صار للمغرب وزن دولي وموقع تفاوضي قوي، حتى إن دول الاتحاد الأوروبي ليّنت من موقفها وباتت تنظر إلى مطالب المغرب بأنها مشروعة، حرصا منها على التوازن السياسي في المنطقة، وحتى لا تضيع منها مكاسب اتفاقياتها المبرمة مع المملكة.

ومعلوم، في التاريخ السياسي، أن إسبانيا ومنذ أكثر من ستة قرون، تحتل المدينتين السليبتين سبتة ومليلية، إضافة إلى ثغور بالأبيض المتوسط، ولها مواقف عدائية تجاه المغرب، حتى إن استثماراتها داخل المغرب جد ضئيلة بقياسها مع حجم تبادله التجاري مع فرنسا، فضلا عن الجرم الكيميائي الذي ارتكبته قواتها الاستعمارية في حق سكان شمال المغرب غداة حرب الريف، وقيام طائراتها بغارات على مناطق وقصفها بغاز الخردل السام، والذي كانت له تداعيات وبائية خطيرة، ما زال سكان الريف يعانون منها حتى الآن جراء تفاقم حالات الإصابة بالسرطان.

المناخ الدولي يحتم مد جسور التعاون بين البلدين

    أمام هذه الأوضاع والتحديات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها البلدان، وبالنظر إلى حجم الاستيراد الذي يربط سوق الاتحاد الأوروبي بالدولتين الجارتين (البترول والغاز والفوسفاط والثروات السمكية وبعض المعادن)، فضلا عن ملفي الغازات السامة والنفايات النووية اللذين يثقلان كاهلي فرنسا وإسبانيا، في ضوء كل هذه التحديات والمتغيرات الجيوسياسية، أصبحت ضرورة التعاون والتآزر بين المغرب والجزائر ملحة أكثر من أي وقت مضى، مع نبذ الخلافات الهامشية التي لا تقاس بحجم العوائد والمكاسب في حال تجسير التعاون بينهما، وإعادة بناء الثقة التي لا تروق في العادة العقيدة العسكرية التي تجثم على مواقع القرار الجزائري منذ أمد تجاه المغرب، كما يجدر بالسلطات الحكومية في كل من الجزائر والرباط، استخلاص الدروس من الاتحادات القارية والدولية، كما في الاتحاد الأوروبي الذي أمكنه، في ظل الرواج الاقتصادي والتجاري، تذويب كل النقاط السياسية الخلافية بين دوله، كمسألة رسم الحدود والسيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى