الرأي

الرأي | انتقال ديمقراطي معطوب.. بنفس الوجوه

بقلم: امحمد لقماني

    ثمة قدر كبير من الاتفاق جرى تسجيله بين الباحثين والمشتغلين في حقل السياسة، على أن عملية الانتقال الديمقراطي ببلادنا هي عملية تاريخية ممتدة في الزمن السياسي للبلاد، وليست محصورة بأجندات سياسية أو مقفولة على مواعيد أو دورات انتخابية، أو حتى محصورة في المجال السياسي دون سواه، وهذا معناه أن المفهوم الشامل للانتقال الديمقراطي، هو ذاك الذي يمس الكيان المجتمعي برمته عبر انتقالات متعددة ومتنوعة في المجالات الديمغرافية والاقتصادية والثقافية والحقوقية والمعرفية والقيمية… إلخ، غير أن الذي لا مراء فيه، هو أن الإصلاح السياسي يعتبر فعلا، المدخل الأساسي لاقتحام باقي المجالات وإحداث النقلات النوعية بداخلها.

ويمكن القول إن البداية الفعلية لعملية الانتقال الديمقراطي بالمغرب، تزامنا مع ظهور مصطلح الانتقال على المستوى العالمي، وخاصة في المجال الحقوقي، كانت مع الحكومة الائتلافية للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998، وقد شكلت هذه الفترة الزمنية الممتدة إلى حدود سنة 2011، اختبارا حقيقيا لنوايا السلطة والمعارضة على السواء في مدى قدرتهم على استبطان ثقافة سياسية جديدة، هي عينها ثقافة الانتقال الديمقراطي التي تقضي، في جزء منها، بتحطيم الجدار النفسي ونزع ألغـام مختلف التوترات التي تهدد بتبديد المجال السياسي الوطني، والغاية من ذلك، تثبيت ممارسة سياسية سلمية ومدنية تعلي من مبادئ التوافق والتعاقد على قواعد جديدة ناظمة لعلاقات السلطة، وتهدف، في الآن ذاته، إلى تصحيح أعطاب المجال السياسي وإعادة فتح معابره وشرايينه في أفق صيرورته مجالا عموميا وديمقراطيا.

فرغم الإكراهات القوية والتعقيدات المتنوعة والحواجز والكوابح التي تعترض الانتقال الديمقراطي، فثمة من يبقي على “تفاؤله المأساوي”، ليقينه بإمكانية التغيير الإيجابي للواقع ولو في حدود، وهو التفاؤل الذي اعتبره المفكر كمال عبد اللطيف، “لا يمنع من بناء مواقف نقدية من مختلف التصورات السائدة في مجال العمل السياسي، من قبيل تلك الموصولة بمنطق التقليد، والتصورات السياسية المرتبطة بمنطق اليوتوبيا، ثم التصورات السياسية الملغومة”.

لعله “قلق الانتقالات” (بتعبير صلاح الوديـع) من سيرورة تحول ديمقراطي تجري فصوله في زمن سياسي مطبوع بمختلف أنواع التجاذبات داخل بنية اجتماعية عصية عن التحديث، وعادة ما تصطدم المشاريع التحديثية، داخل هذه البنية، بمقاومات شديدة، بل وبكوابح ذاتية تجترها حتى النخب والقوى الديمقراطية نفسها.

غير أن عسر ولادة الانتقال الديمقراطي ببلادنا، لا يعدم إمكانية انطلاقه وبناء استراتيجياته على ما تحمله الضرورة التاريخية وحقائق التراكم السياسي من ممكنات، وبقدر ما شكل إقرار دستور 2011 لحظة تكثيف لديناميات الإصلاح في عدة مجالات وتتويج لمسار طويل من التحديث السياسي، بقدر ما جسد لحظة للتوافقات ومحصلة وعي تاريخي بحتمية المرور إلى الديمقراطية على قوام التعاقد على المرتكزات الكبرى للمجتمع الديمقراطي التنموي، لذلك سيظل مطلب التفعيل الديمقراطي التوافقي للدستور مسكونا بهاجس المصالحات، التـي، على ما يبدو، لم تنضج بما يكفي لانتفاء بيئة استقبالية ملائمة سياسيا وثقافيا.

ليس ثمة شك في أن المخاضات الجديدة التي عرفها المجتمع المغربي قد ساهمت إلى حد ما في “إعادة تعريف السياسة”، لكن من منظور مغاير ساهم فيه اختلاف اللحظة التاريخية وبروز نخب جديدة وشعارات سياسية مؤطرة تجاوزت هذه المرة حدود اللحظة الانتخابية وتجاذباتها، إلى تدشين نقاش عمومي سياسي ودستوري وثقافي مغاير في تعاطيه وتفاعله مع مختلف التحديات والإكراهات الدولية، وفورة الأجيال الجديدة ومشروعية مطالب الحركات الاجتماعية.

الذي حدث منذ عقود طويلة، هو أن السلطة (وهي مجموع السلط الظاهرة والخفية)، كانت تنهش جسد الدولة، وكادت أن تسقطها أرضا لولا حرص الدستور على محاولة رسم حدود الغلبة والتجاذبات بين بين مجالي السياسة (أي السلطة) والسيادة (أي الدولة)، إذ يبدو من الناحية النظرية والمبدئية، عدم وجود تناقض أو صراع بينهما، لكن الملاحظة التاريخية، في الحالة المغربية، تقول إن التمايز بين مجالي السياسة والسيادة، لم يكن دائما واضحا، بل كانت هناك توترات تجرأت بموجبها السياسة على استباحة السيادة، والنتيجة أننا خسرنا كثيرا من رهانات السياسة (مجال السلطة)، وكدنا نخسر مزايا السيادة (مجال الدولة).

وتفسير ذلك، أنه في أعقاب تضخم أعباء الدولة ومهامها، تضخمت مؤسساتها أيضا، ونشأت بين أحضانها نخب بيروقراطية، إدارية واقتصادية وسياسية، عصية عن التجديد والتطوير، وهكذا وجدنا أنفسنا ننتقل، في تفكيرنا المضني حول أسئلة الانتقال، إلى البحث عن إصلاح أداة الانتقال أولا، وهي هنا الدولة بمؤسساتها ونخبها، لذلك، فإن المفهوم الجديد للدولة (في ما أرى) سيتم استيعابه ابتداء من اللحظة التي يتم فيها تدشين عملية تفكيك وإعادة بناء منظومات السلطة التي تكلست وأصبحت تشكل عوامل مقاومة شديدة لأي إرادة عليا في تجديد وتحديث كيان الدولة.

نستنتج، بناء على ما سبق، أن النجاح في الربط الجدلي بين دولة الانتقال وانتقال الدولة، هو عينه المدخل المناسب للإجابة عن إشكالية النموذج التنموي، وارتباطا بالموضوع، نطرح سؤالا على سبيل الختم والتفكير: هل استنفذ الانتقال الديمقراطي بالمغرب دورته؟ هذا مؤكد، وإلا ما الحاجة إلى نموذج تنموي جديد؟

واضح أن مقولة الانتقال الديمقراطي أصبحت بلا طعم على المستوى التداولي، لأن مؤشرات قياس أثارها على صعيد الوضعية الاجتماعية وعلى مستوى الصحة النفسية للمغاربة، أضحت صادمة، فكيف لهذا المجهود التنموي الذي تبذله الدولة ألا يتلمسه المغاربة كافة!؟ لذلك، قد نستنتج ربما بأن الانتقال الديمقراطي بهذا المعنى، كان نخبويا، أي استفادت منه فئات بعينها دون غالبية المواطنين.

فالذي حصل، هو انتقالات فرعية غير منسجمة: انتقال من دستور إلى آخر، ومن حكومة إلى أخرى، ومن برلمان إلى آخر، لكن لم يحصل انتقال في النخبة، إذ بقيت هي نفسها تحتل الفضاء السياسي لعقود، ومن يقول النخبة يقول العقليات التي تحملها والمصالح التي تحصنها، أما السبب العميق والحقيقي، قد يكمن، حسب المفكر المغربي عبد الله العروي، في كون النخبة الحالية المسيرة لدواليب الدولة، أقل وطنية من التي سبقتها.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى