تروج بقوة هذه الأيام أخبار تفيد أن وزارة الداخلية تستعد لإجراء الانتخابات التشريعية البلدية والجماعية، وهي مغامرة قد تكون لها تبعات غير سارة، لأن الوزارة، وكعادتها قبل إجراء كل انتخابات، تقوم بتطهير صفوفها، وذلك بتنقيل بعض العناصر التي تحوم حولها الشبهات، والحقيقة أن هناك رجال سلطة لا يهمهم من الوظيفة إلا الشهرة والنفوذ والاغتناء على حساب المواطنين البسطاء، وعملية التطهير هذه ظهرت حتى أيام الرسول (ص)، حيث أوقف خالد ابن الوليد الذي كان قد عينه واليا على مصر، لأنه علم أن واليه الذي كان من أعز وأحب المقربين من النبي، قد انغمس في مغريات وسلوكيات الحضارة والمدنية..
وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان (ض)، تم عزل الصحابي الجليل عبد الرحمان بن عوف الذي كان واليا على الشام، لأنه بلغ لعلمه أن واليه على الشام قد قام بصبغ باب منزله الوظيفي، وتأكد عثمان بن عفان فيما بعد أن والي الشام إنما صبغ باب المنزل فقط ولم يقم بأي إصلاحات داخله، فندم على قرار العزل وقام بزيارة الوالي المظلوم وعرض عليه تعويضا مغريا، لكن الوالي المظلوم رفض التعويض وقال له أطلب من الله أن يأخذ لي حقي فيك.
وبالرجوع إلى انتخاباتنا، يعلم الجميع أن جاليتنا المقيمة في الخارج لا تقل عن 6 ملايين، فهل فكرت وزارة الداخلية في طريقة لإشراكهم في الاستحقاقات المقبلة؟
فما على المرشح من هؤلاء المواطنين إلا أن يستفسر المصالح القنصلية والسفارات في بلد الإقامة، عن طريقة مشاركتهم في الانتخابات، فهل يجب عليهم أن يأتوا إلى المغرب لطلب ترشيحهم في المدينة أو القرية التي يطمح المعني للفوز بالمقعد المخصص لها، أم أنهم سيكتفون بوضع ترشيحاتهم لدى السلطات المغربية المختصة؟ وهل تم إحصائهم وتحديد نسبة المقاعد المخصصة لهم في غرفتي البرلمان؟
وبخصوص أعضاء البرلمان بغرفتيه، فقد ضيعوا وقتا ثمينا وطويلا في مناقشة تقاعدهم، ومع الأسف، فإنهم يعتبرون وجودهم والقيام بواجبهم البرلماني، وظيفة يتقاضون عليها أجرا وكفى، والمنطق يفرض على هؤلاء أن يعتبروا أنفسهم نواب الشعب يخوضون غمار كل ما يتعلق بالحياة العامة لما يتوفر فيهم من كفاءة وجرأة وشجاعة، وعليهم أن يجهروا بالحقائق ولو كانت مرة ولا يخشون في ذلك لومة لائم، وقد سبق للخازن العام للمملكة أن انتبه إلى جانب من هذا المشكل، فأمر بصرف تعويضات مخصصة لهم حيث تبين له أن بعضهم يزاوجون بين مهمتهم في البرلمان ووظائف يحتلونها في عدة مجالات، وإذا كانت ظرفية جائحة “كورونا” قد عطلت إصدار بعض المراسيم والقرارات الخاصة بنظام التقاعد، فإن الدورة المقبلة ستكون ساخنة بين محترفي السياسة وبين المخلصين الذين جندوا أنفسهم لخدمة الوطن، فإذا أضفنا إلى هذه التعويضات السخية التي يحظون بها كل شهر، الامتيازات التي ينعمون بها باستعمال صفتهم البرلمانية، أدركنا أن الشعب الذي تستخلص من جيوبه الضرائب، سيتمرد يوما ما على إخضاعه لها، ومن المؤسف أن نجد الموظف البسيط يقتطع من راتبه كل شهر مبلغ مالي يخصص لهؤلاء النواب الذين يتقاضون تعويضات عند نهاية كل شهر، فلا يسعنا إلا أن نندب حظ الموظفين الذين يقضون 40 سنة من عمرهم ولا يتقاضون إلا نسبة ضئيلة مما يتمتع به النواب الذين يطالبون بحقوقهم والتقاعد بعد تواجدهم في قبة البرلمان خلال ولاية واحدة، أي 4 سنوات، وهذا ظلم صريح ينضاف إلى الفوارق الاجتماعية التي يعاني منها المغاربة، وكان الله في عون شعبنا الذي يعاني الكوارث الطبيعية والفوارق الاجتماعية.