الرأي

الرأي | مفهوم أسرى الحرب في القانون الدولي الإنساني

بقلم: عبد العالي وهاب *

    يقصد بأسير الحرب، كل مقاتل يقع في قبضة العدو أثناء العمليات الحربية، إلا أن موضوع حمايته من الاعتداء على حياته وسلامته الجسدية وشرفه، عرف اهتماما كبيرا منذ القرن التاسع عشر، وحاول المجتمع الدولي في العديد من المرات، أن يضع قيودا وضوابطا وأحكاما تنظم وضعية الأسير، لهذا سنعالج في هذه المقالة كيفية تناول القانون الدولي لموضوع حماية الأسرى من خـلال سنه للمفاهيم والمرجعيات القانونية عبر كل من اتفاقية لاهاي 1907، واتفاقيات جنيف لسنة 1929 وسنة 1949، والبروتوكول الإضـافي الأول والثاني لسنة 1977 .

لقد عرفت اتفاقية لاهاي سنة 1907 أسرى الحرب بأنهم الأشخاص الذين يقعون تحت سلطة العدو من الفئات التالية:

1) أفراد القوات المسلحة لطرف في النزاع وأعضاء الميليشيات والمتطوعين المنتمين لهم.

2) أفراد الميليشيات والمتطوعين الآخرين بمن فيهم أعضاء حركة المقاومة المنظمة المنتمية لطرف في النزاع والعاملين داخل أو خارج أراضيهم حتى ولو كانت محتلة، بشرط استيفاء الشروط التالية: أن تكون تحت قيادة شخص مسؤول عن مرؤوسيه، وأن تكون لها علامة مميزة يمكن معرفتها عن بعد، وأن تحمل أسلحتها بشكل ظاهر، وأن تقوم بعملياتها وفقا لقوانين وتقاليد الحرب.

مفهوم أسرى الحرب وفق اتفاقية جنيف 1929

    أمام الأهوال الخطيرة التي تعرض إليها أسرى الحرب خلال الحرب العالمية الأولى (دول المحور والحلفاء) من سوء معاملة وتقتيل وتعذيب… إلخ، اضطر المجتمع الدولي من خلال ممثلي 48 دولة، إلى عقد اتفاقية جنيف سنة 1929، التي احتوت على تنظيم دقيق لحالة أسرى الحرب في ما يزيد عن 80 مادة، ووسعت فيه مفهوم أسرى الحرب ليشمل “جميع الأشخاص في القوات المسلحة للأطراف المتنازعة الذين يقعون في قبضة الخصم أثناء العمليات الحربية البحرية أو الجوية”، كما تضيف الاتفاقية بأن أسير الحرب هو “كل شخص من الأعداء يؤخذ لا لجريمة ارتكبها وإنما لأسباب عسكرية”، والهدف من هذه الاتفاقية هو ضمان حسن معاملة أسرى الحرب الذين يقعون في قبضة أحد أطراف النزاع، وواجب الدول في معاملتهم المعاملة التي تليق بإنسانيتهم، وحمايتهم من أي اعتداء يمس حقهم في الحياة أو سلامتهم الجسدية أو تعريضهم  لفضول الجمهور وسخريته.

وقد تمت مراجعة هذه الاتفاقية بناء على دعوة من هيئة اللجنة الدولية للصليب الأحمر سنة 1949، تمخضت عنها أربع اتفاقيات دولية إنسانية لحماية ضحايا النزاعات المسلحة من المرضى والجرحى في الحرب البرية (الاتفاقية الأولى)، وجرحى وغرقى الحرب البحرية (الاتفاقية الثانية)، ومعاملة أسرى الحرب (الاتفاقية الثالثة)، وحماية المدنيين (الاتفاقية الرابعة).

مفهوم أسرى الحرب وفق اتفاقية جنيف الثالثة 1949

    تعد اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، هي المرجعية القانونية لحماية الأسرى، وهي مكملة لالتزامات الدول بالأحكام التي تسري في زمن السلم، وحالات الاحتلال الكلي أو الجزئي لإقليم أحد الأطراف المتعاقدة، وتعد قواعد الاتفاقية آمرة وملزمة ولا يجوز للأسير نفسه التنازل عنها، وقد سعت هاته الاتفاقية إلى توسيع مفهوم أسير الحرب لتشمل الفئات التالية: أفراد القوات المسلحة والميليشيات، أفراد الميليشيات والوحدات المتطوعة الأخرى وعناصر المقاومة المنظمة المنتمون لأطراف النزاع، أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة، مرافقو القوات المسلحة كالمراسلين الحربيين، أفراد أطقم الملاحة بمن فيهم القادة والملاحون ومساعدوهم، وسكان الأراضي غير المحتلة الحاملون للسلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية شريطة حمل السلاح جهرا، ثم المعتقلون من جديد بعد أن سبق الإفراج عنهم بينما لا زالت الحرب قائمة.

مفهوم أسرى الحرب وفق البروتوكول الأول والثاني الإضافيين لاتفاقيات جنيف لسنة 1977

    واستدراكا لبعض النقائص التي وردت في الاتفاقيات الأربع لجنيف، صدر سنة 1977 بروتوكولان إضافيان، نص الأول على بعض الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والتي يكون أسير الحرب ضحية لها، وإضافة بعض الضمانات الممنوحة للأسرى عند المتابعة والمحاكمة، كما عرف أسير الحرب ليشمل “جميع أفراد القوات المسلحة والمجموعات والوحدات المسلحة التي تكون تحت قيادة مسؤولة”، إلا أننا نسجل أنه رغم تجريمها لبعض السلوكات الخطيرة التي يتعرض لها أسرى الحرب، إلا أنها تبقى حماية جنائية ناقصة، كونها لم تحدد العقوبات التي تقابلها، مكتفية بحث الدول على سن التشريعات الداخلية التي تعاقب على هذه الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى (وفق البروتوكول الثاني)، الأمر الذي جعل هذه الحماية تقترب من الحماية الأخلاقية أكثر من الحماية القانونية.

وفي سنة 1998، صدر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي تضمن بيان الجرائم الدولية التي تدخل في اختصاص المحكمة، وتحديد العقوبات التي يمكن لهذه المحكمة أن تطبقها على كل مجرم دولي يقدم للمحاكمة أمامها، وبموجب هذا النظام، يمكن القول بأننا أمام حماية جنائية حقيقية لأسرى الحرب، سواء كانوا ضحايا أو متهمين.

إن الحماية الجنائية لأسرى الحرب كما هـي مقررة في مختلف صكوك القانون الدولي الإنساني، مع ما فيها من قصور ونقص، جديرة بتفادي المآسي التي طالما عانى منها الأسرى على مر العصور، وأنه طالما أن القانون الدولي الإنساني، هو قانون قابل للتطور بتطور الفكر الإنساني، فإن الأمل يظل قائما في تحقيق حماية جنائية أفضل لأسرى الحرب عما هي عليه الآن.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى