الرأي

الرأي | المغرب بين الكسكس وحرب البسوس

بقلم: الحسين الدراجي

    تتسارع الأحداث بشكل كبير لا يمكن معه للمحلل السياسي أن يعتمد على تخمينه، لأنه سرعان ما يفاجأ بما لم يكن يتوقعه، ففي كل يوم، بل في كل ساعة، يسجل التاريخ أحداثا إما تخلد أمجاده، أو تذكره باندحاره في معارك مختلفة..

فإذا كان الفرنسيون ودول المحور يحتفلون كل سنة بذكرى معركة “لو فيردان” (Le verdun) التي انهزم فيها جيش نابليون بسبب الثلوج الكثيفة التي أقبرت المحاربين الفرنسيين، فإن لكل شعب محطات تاريخية منها ما يبعث على الحزن والأسى ومنها ما يذكر بالأمجاد، والمغرب أيضا لم ينج من تداعيات هذه القاعدة، لنذكر أن الجيش المغربي تكبد خسائر فادحة، الأولى في معركة أمام الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال شارل مارتل بمدينة “بواتيي” (Poitier) سنة 732، وكاد المغرب أن يكتسح أوروبا لولا أن الجنود المغاربة انسحبوا بعد مقتل قائدهم عبد الرحمان الغافقي، أما الثانية، فهي معركة “إيسلي” سنة 1844، التي كان من المفروض أن يشارك فيها الإخوة الجزائريون، حيث كان مخططا أن يهاجم الجزائريون من الخلف ويهاجم الجيش المغربي من الجهة المقابلة ليصبح الجيش الفرنسي المستعمر بين فكين، مما كان سيضمن النصر، ومعلوم أن الجيش الفرنسي كان يفوق الجيش المغربي عدة وعددا، لكن انسحاب الجيش الجزائري عجل بانهزام المغرب في هذه المعركة، التي قامت أساسا لمنع فرنسا من الدخول للتراب الجزائري، حيث استشهد 800 محارب من قبائل بني يزناسن، أهمها قبيلة أنكاد وبني وكيل، وفرضت فرنسا غرامة كبيرة وشروطا قاسية على المغرب.

من خلال هذه المعطيات التاريخية، يتضح أن الخلاف بين المغرب والجزائر ليس وليد اليوم، والدليل على ذلك موقف مسؤولي الجزائر الذي يتسم بالتعنت ورفض جميع المحاولات التي قامت بها الدول الصديقة والشقيقة لطي الخلاف حول ملف الصحراء المغربية، وقد علمنا أن لقاء كان مقررا بين رؤساء الدول الخمس التي يتكون منها المغرب العربي الكبير، لدراسة الحلول الممكنة التي توافق عليها جميع الأطراف المعنية بهذا النزاع.

ويتساءل الرأي العام عن تأخير هذا الملتقى الغير مبرر، فهل يكمن السبب في احتلال مراكز القرار من طرف تلاميذ بوتفليقة؟ ويرجع ذلك إلى غياب الرئيس الجزائري بسبب إصابته بفيروس “كورونا”، ومهما يكن من أمر، فإن المغرب كان ومازال وسيظل على استعداد للقاء أخوي يمكن الشعوب المغاربية من العيش في أمن وأمان.

وقد كان التفاؤل والأمل يحدو الجميع بشأن عقد هذا اللقاء، لجعل الحدود المغربية الجزائرية منطقة خالية من المناورات، غير أن ما وقع في معبر “الكركرات”، اضطر المغرب إلى جعل حد لمناوشات الجزائر وصنيعتها البوليساريو، وقد نفذ صبره ولجوئه إلى ضبط النفس، واعترفت الأمم المتحدة والدول المحبة للسلام بأن السيل بلغ الزبى، وأن من حق المغرب أن يدافع عن وحدته الترابية، لكن الغريب العجيب، أنه في خضم هذه الأحداث، شاركت الدول المغاربية في مباراة لاختيار “أحسن كسكس”، وهو حسب التاريخ من أصل مغربي كما يعترف بذلك أمهر الطهاة وكبريات المطاعم الأوروبية، أليس من المضحك أن يجتمع مندوبو الدول الخمس وفي هذه الظرفية، لتحضير الكسكس بمدينة أكادير بينما القضايا الوطنية المهمة يطغى عليها النسيان؟ ومما لا شك فيه، أن أصحاب هذه المبادرة سيفكرون في تنظيم مباراة أخرى حول الحريرة، وستكون كما يقول المثل المغربي: “حريرتهم حريرة”.

وإذا كانت حرب البسوس سنة 494، قد دامت أكثر من أربعين سنة، اقتتل خلالها مئات المحاربين، فإن نزاعنا مع مسؤولي الجزائر دام أكثر من ذلك وطال أمده، بحيث أخشى أن تصاب الشعوب المغاربية بـ”كورونا سياسية” يبتلي بها الإخوة الجزائريون، لذلك يجب أن نفكر في الوسائل الناجعة للتصدي لهذه الجائحة، لأن الوقاية خير من العلاج، وهكذا – لا قدر الله – سيكون مصيرنا إذا استمر هؤلاء القادة في غيهم يعمهون استجابة للرغبة في التوسع(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى