الرأي

الرأي | ملاحظات حول ضبابية مشروع قانون المالية

بقلم: محمد حركات

    بتاريخ 12 غشت 2020، صدر منشور رئيس الحكومة رقم 12/2020 حول إعداد مشروع قانون المالية لعام 2021 الموجه إلى الوزراء والوزراء المنتدبين والمندوبين السامين والمندوب العام، من أجل موافاة مديرية الميزانية باقتراحاتهم الميزانياتية في أجل لا يتعدى 31 غشت 2020.

ويتزامن إعداد هذا المشروع مع سياق وظرفية دولية استثنائية تتسم بهول انتشار جائحة “كوفيد 19” وبانعكاساتها الكارثية، الاقتصادية والاجتماعية، المهولة، الصعبة وغير المسبوقة التي لها أثار سلبية وخيمة على البلاد، لا سيما تزامنها مع الجفاف الذي عرفته هذه السنة الفلاحية، الشيء الذي عرى، رغم المجهودات المبذولة، على واقع مخيف ضمن المنظومة الإنتاجية والاجتماعية الهشة التي تتميز بحوالي 70 % من الأسر المغربية التي تشتغل في القطاع غير المهيكل، أو في المقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة، فضلا عن عجز القطاع الصحي والتعليم والرعاية الاجتماعية عن الاستجابة لانتظارات المواطنين في عز الأزمة. في هذا السياق المضطرب، يستند مشروع قانون المالية إلى ثلاث أولويات هي:

1) تنزيل خطة إنعاش الاقتصاد الوطني.

2) الشروع في تعميم التغطية الاجتماعية.

3) التأسيس لمثالية الدولة وعقلنة تدبيرها.

ومن خلال الوقوف على مضامين هذه الأولويات والتوجيهات التي نصت الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة على التقيد بها في إعداد مشروع ميزانية 2021، نسجل بناء على فرضيات الاقتصاد السياسي للحكامة والنزاهة ومتطلبات السيادة والعيش بكرامة عند المواطنين، خلال وما بعد “كورونا”، كما هو متداول دوليا في أدبيات هذه الأزمة، الخلاصات الجوهرية الآتية:

1) تأكيد واعتراف الحكومة بعدم توافر وضوح الرؤية عندها في المنشور للسيطرة على الأزمة طالما أن هناك غياب مخطط تنموي في الأجل المتوسط والبعيد من أجل التحكم في ظرفية والأزمة الهيكلية التي يتميز بها الاقتصاد الوطني من خلال طرح الأسئلة الكبرى للتنمية في البلاد (اقتصاد ومجتمع المعرفة، التقدم العلمي وامتلاك التكنولوجيا، القضاء على الأمية، التعلم عن بعد، تأمين الخدمات السيادية العامة).

2) طموح المنشور غير المبرر وغير الواقعي في تحقيق نمو اقتصادي في حدود 5.4 % مقابل ناقص 5 % عام 2020 أخذا بعين الاعتبار فرضيات سعر غاز البوتان بمعدل 350 دولارا للطن، ومحصول زراعي متوسط في حدود 70 مليون قنطار، بدون تحديده لعجز الميزانية المتوقع رغم تشديده على التأثر البالغ للتوازنات الماكرواقتصادية وارتفاع عجز الميزانية والحساب الجاري لميزان الأداءات، والكل يعرف أن عجز الميزان التجاري أصبح بنيويا منذ عدة سنوات وقبل أزمة الجائحة.

3) هيمنة هاجس التوازن المالي والتقشف على حساب التوازن الاجتماعي الشامل، حيث نلمس تناقض المنشور عندما يحدد ثلاث أولويات عامة، وسرعان ما يتخلى عنها مشددا أساسا على “ميزانية استهلاكية” في وضع التوجهات التي ينبغي التقيد بها في إعداد المقترحات برسم ميزانية 2021، سواء فيما يتعلق بحصر الطلبات في الاحتياجات الدنيا بشأن الخدمات المقدمة للمواطنين واستعمال الطاقات المتجددة في مجال الماء والفلاحة والصناعة، أو تقليص إعانات الاستثمار بالنسبة للمؤسسات العمومية، أو غلبة التسويف في المنشور، لا سيما فيما يتعلق بالرعاية الاجتماعية.

4) ضعف الاقتصاد السياسي والمذهبي العلمي والعملي في مجال مكافحة الأزمة من خلال تعبئة المواطنين وكل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين عبر بلورة حلول إبداعية جديدة قوامها الثقة في مواجهة الوباء واستئناف الأنشطة الاقتصادية وضمان الخدمات الإنسانية العامة، بل خلافا لذلك، تعتبر الرسالة التوجيهية غير صادقة عندما تقر بأن الحكومة “تمكنت من التحكم في الوضع الصحي، ومن دعم صمود المقاولة وتجهيز المستشفيات”، غير أن الواقع لا يزكي هذا الادعاء، ففي الأيام الأخيرة ما بعد عيد الأضحى (أو ما أصبح يسمى عند الرأي العام الوطني بليلة الهروب الأكبر وما نتج عنه من سلبيات عديدة)، استفحلت حالة انتشار الوباء وظهر ضعف تنظيمي واستراتيجي بارز للعيان في الانفلات في التدابير المتخذة وتضارب القرارات.

5) تناقض مشاريع الحماية الاجتماعية مع الممارسة العملية للمؤسسات، والمثال على ذلك، إصدار الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي لمذكرة داخلية رقم 23/2020 بتاريخ 12 غشت 2020، يوم إصدار الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة، تقضي هذه المذكرة بعدم تعويض وتحمل النفقات والعلاجات المتعلقة بجائحة فيروس “كورونا” بدعوى “القوة القاهرة”، وهذا شأن لا يستند إلى أساس قانوني ويتناقض مع مشروع التغطية الاجتماعية التي جعلها من الأولويات.

6) هيمنة المنطق الاستهلاكي في الميزانية على حساب مبادئ الأهداف والنتائج والنجاعة، ويظهر ذلك جليا من خلال تنصيص المشروع على إعادة انتشار المناصب المالية لتغطية العجز على المستوى المجالي والقطاعي، وتقليص نفقات الدراسات (المهيمنة في الإدارات عبر الالتجاء إلى بيوت خارجية مكلفة بدون طائل ملموس) والمناداة باللجوء إلى استغلال الخبرات والأطر الإدارية، وتقليص نفقات النقل والتنقل والاستقبال والفندقة وتنظيم الحفلات والمؤتمرات والندوات، والامتناع عن برمجة نفقات اقتناء وكراء السيارات وكراء وتهييء المقرات الإدارية وتأثيثها أو تقليص هاته النفقات وربطها بضرورة المصلحة، لذلك فهي تظل مقاربات فضفاضة وغير دقيقة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى