“قصر التازي”.. القصر الذي عشقه الحسن الثاني وتصارع عليه أبناء الباشا
2 يناير، 2017
4 دقائق
قطار “تي. جي. في” يهدم أسوار معلمة تاريخية في الرباط
الأسبوع: طارق ضرار
منذ عهد قريب، كان الملكان الحسن الثاني ومحمد الخامس يتخذان من “قصر التازي” الإقامة الثانية لاستقبال الملوك وزعماء الدول، واستضافة وفودها إبان عهد الاستعمار، وحتى عند بداية الاستقلال، وعرف القصر لصاحبه حينها، الباشا التازي (الصورة) استقبال الحبيب بورقيبة، الرئيس التونسي الأسبق، وملوك المملكة العربية السعودية، ورؤساء دول إفريقية ووفود من مصر، كما اختاره الحسن الثاني لإجراء بعض من حوارته التلفزيونية مع قنوات فرنسية، هذا القصر الذي عاش أبهى فتراته في عهد الحسن الثاني، يعيش اليوم أسوء أيامه.
قبيل أيام، تقدمت جرافات “TGV”، القطار السريع إلى سور “قصر التازي”، معلمة الرباط العريقة، القريب من قبة البرلمان والغير بعيد عن القصر الملكي، كما يتضح في الصورة.. مشهد مأساوي ينذر بتهاوي القصر العريق وسط العاصمة للسماح بمرور خط القطار السريع، حيث شوهدت معاول الجرافات تدك بعضا من سور القصر من الجهة الخلفية المحادي لمحطة القطار، الرباط المدينة، في حين أن القصر لازال يترنح بين أحكام قضائية في أطول نزاع عائلي عمر لسنين بين المحاكم الابتدائية التجارية مرورا بمحاكم الاستئناف وصولا إلى محكمة النقض، أحكام بالجملة صدرت لتسوية ملف القصر المثير للجدل، لكن مع وقف التنفيذ.
رؤية الجرافات تقتحم بعضا من “قصر التازي”، لم تكن سوى صفارة الإنذار التي أعلنت عن استمرار نزاع عقاري دام لسنوات حيث كانت “الأسبوع” الجريدة السباقة سنة 2004، التي كشفت حيثيات وملابسات النزاع على القصر، حينما حاول الأمير السعودي، الوليد بن طلال شراءه لإقامة مشروع سياحي عبارة عن فرع لفنادق “فور سيزن”، لكن الوليد تراجع في آخر المطاف بعد علمه بعمليات البيع والشراء المريبة بين بعض الورثة ومالكة القصر، زهور التازي، لتنطلق فصول الصراع الأبدي بين الورثة حول تملك القصر، فصول غاب عنها التفاهم والقليل من التعقل، لينتقل النزاع بينهم إلى ردهات المحاكم، بدعاوى و دعاوى مضادة حملت الكثير من الغموض في طياتها.
ويظهر من خلال المعطيات المتوفرة بخصوص النزاع القضائي حول الصراع لتملك “قصر التازي”، أن أحد الورثة الذي حاز جميع أسهم القصر وجعلها في ملكية شركته حسب وثائق المحكمة، بعد إدلائه بعقد شراء من والدته، زهور التازي، مالكة القصر عند بداية سنة 2001، والوريثة الأصلية عن الباشا التازي، قبل أن يتهمه الورثة بأن ظروف وطريقة بيع وشراء القصر طبعها الغموض وشابها نوع من “الاحتيال”، متسائلين كيف تسلمت زهور التازي 47 مليون سنتيم مقابل حصتها في القصر الذي كان يساوي حينها حسب الخبراء، 223 مليار عام 1997، الخبر الذي نشرته “الأسبوع” في عدد 19 مارس من سنة 2004؟ وكيف تم تفويت أسهمها في القصر إلى اسم شركة أحد الورثة بناء على عقد بيع وشراء؟ فقام على إثرها الورثة، بالحجر على مالكة القصر، زهور التازي، لكن بعد فوات الأوان، لتنطلق فصول الصراع على تملك القصر بين الورثة، وبعد سنوات من استغلال القصر، خرج أحد أبناء زهور التازي عن صمته مطالبا بحقه في القصر، وبالضبط في سنة 2012 مدليا بأصله التجاري المسجل بتاريخ 1988، قائلا بأنه كان يقيم في القصر ويمارس نشاطه التجاري، الذي هو عبارة عن مطعم ومكتب للدراسات والتصدير والاستيراد وأشغال الديكور، مؤكدا ذلك بحجة وثيقة الأصل التجاري المرهون لدى مؤسسة بنكية نظير حصوله على قرض مالي بقيمة 2 مليون درهم.
وفي مفارقة عجيبة، تبين الوثائق وحيثيات قضية “قصر التازي”، أن الوريث صاحب الأصل التجاري، لم يكن يدري أن القرض الذي سيحصل عليه من بنك القرض العقاري والسياحي، بموجب رسالة من الكتابة الخاصة للملك الحسن الثاني حينها موجهة إلى المؤسسة البنكية توصيهم خيرا بطالب القرض، وبمنح القرض للوريث صاحب الأصل التجاري، أنها ستكون الورقة السحرية التي سيدافع بها الوريث عن حقه، حيث تظهر الوثائق أن النزاع حول القصر تحول بين صاحب الشركة، مشتري القصر من الوالدة زهور التازي، وصاحب الأصل التجاري، بالموازاة مع دخول بعض الأطراف من العائلة إلى أطوار النزاع للمطالبة بحقوقهم لمدة طويلة منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، من بينهم أفراد من عائلة التازي وأفراد من عائلة اليوسي، حيث يظهر أن أبرز الدعاوى القضائية، هي تلك التي كانت المرفوعة ضد الوريث، صاحب الأصل التجاري للتشطيب على الأصل، إذ تشير المعطيات إلى كون رهن البنك على الأصل التجاري المسجل باسم أحد الورثة، كان قد سجل عليه كضمانة على السلف المالي الذي أخذه من بنك القرض العقاري والسياحي لتجهيزه للجزء السفلي من القصر، وتشييد ساحاته وزخرفة قاعاته وتأثيث بعض فضاءاته لاستقبال الضيوف، وجعله فضاءا للاستقبال وتنظيم الأفراح والسهرات والأعراس، بعدما لم تنجح الدولة في شرائه ولم ينجح الوليد بن طلال في تحويله إلى مركب للندوات وفندق كبير.
كما توضح معطيات القضية، أن المحكمة التجارية أصدرت في وقت سابق حكما بأداء غرامة تهديدية قدرت بمليون درهم سنويا ضد شركة الوريث الأول المستغلة للقصر، لإرجاع حيازة القصر للوريث الآخر صاحب الأصل التجاري، وتمكينه من استغلال والحصول على أصله التجاري بالقصر، وذلك بعد محاولات الشركة التشطيب على الأصل التجاري، رغم استئناف الشركة لعدد من الأحكام القضائية الابتدائية ووصولها الى محكمة النقض حيث قضت أعلى هيئة قضائية بتاريخ 2014/07/10 برفض طلب النقض، الذي تقدمت به الشركة، إذ أوضحت محكمة النقض “أن الأصل التجاري لا زال موجودا وقائما، لكون الأصل التجاري موضوع رهن لمصلحة القرض العقاري والسياحي المسجل بالسجل التجاري بتاريخ 1999/08/02، بناء على المعطيات التي تقدم بها صاحب الدعوى”.
لكن فصول القضية لم تنته عند آخر حكم صادر سنة 2014، لينتقل الأطراف إلى الاستئناف، حيث كشفت الوثائق القضائية حسب ما جاء في حكم محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 21/05/2015، أن العقار المتنازع عليه في الرباط، يتمسك فيه صاحب الأصل التجاري بالغرامة التهديدية ضد الشركة والحصول على حقه لاستغلال أصله التجاري بالقصر، وبعد سبعة أشهر، صدر حكم جديد عن قاضي المستعجلات بمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 12/11/2015، يقضي بوقف قرار حكم الغرامة التهديدية السابق، وترك الحال على ما هو عليه، بعدما أدلت الشركة بوثائق جديدة عبارة عن عقد كراء للقصر منذ سنة 1989، حيث ذكرت الشركة أنها كانت تكتري القصر وتستغله، الأمر الذي حول الصراع على القصر إلى وجهة أخرى، ودفع بدفاع الأطراف إلى تبادل التهم بالتزوير والتلاعب في معطيات القضية للتأثير على القضاء، قررت على إثره هيئة القضاء استدعاء أطراف النزاع لعقد جلسات المواجهة لإصدار حكم نهائي في قضية عمرت لأزيد من 20 عاما.
ويقدم مختلف الورثة والأطراف في قضية “قصر التازي” حججا ووثائق تملكهم وحقهم في الميراث، عبر إشهار وثائق الشركات التي أسسوها أو وثائق التقييد في السجلات التجارية، الأمر الذي صعب عمليات تقسيم الإرث، وحوله من تقسيم ميراث شرعي إلى تقسيم تركة مالية وتجارية، وبين الشرعي المتعلق بالإرث والتجاري المتعلق بقوانين الشركات والمال والأعمال، تتعقد المساطر القانونية والإجراءات وتطول الجلسات والأحكام، ليظل “قصر التازي” شاهدا على قصة قصر تهاوى على عرش أبنائه.