
الأسبوع ـ زهير البوحاطي
في الوقت الذي تستعد فيه الساحة السياسية المغربية للدخول في مرحلة جديدة من التنافس الانتخابي، وتسعى الأحزاب إلى تقديم برامج وشعارات جديدة لاستعادة ثقة الناخبين، عادت إلى الواجهة قضية التسجيلات الصوتية المسربة، التي أثارت جدلاً واسعاً بشأن ما يجري خلف الكواليس السياسية، وفتحت الباب أمام تساؤلات عديدة حول طبيعة الممارسة الحزبية والسياسية بالمغرب.
وبينما ينتظر المواطن المغربي من الفاعلين السياسيين تقديم برامج واقعية وحلول ملموسة لمواجهة الملفات الاجتماعية والاقتصادية، فوجئ الرأي العام بتداول تسجيلات منسوبة إلى مسؤولين وشخصيات سياسية بارزة، تتضمن تصريحات ومحادثات أثارت الكثير من علامات الاستفهام حول طريقة تدبير بعض الملفات، والصراعات الداخلية، وآليات الحصول على التزكيات والاستقطاب الانتخابي.
ومن بين أبرز التسجيلات التي أثارت اهتماماً واسعاً، تسجيل منسوب إلى رئيس مجلس النواب، يتحدث فيه عن خلاف مع وزير الاقتصاد والمالية، ويتوعد، وفق ما ورد في التسجيل المتداول، بعدم حصوله على منصب حكومي مستقبلاً، سواء تصدّر حزب التجمع الوطني للأحرار نتائج الانتخابات المقبلة أو جاء في المرتبة الثانية. وهو ما اعتبره متابعون، في حال تأكدت صحة التسجيل وسياقه، مؤشراً على حجم الصراع السياسي الذي قد يجري بعيداً عن الأضواء.
ولم يتوقف الجدل عند هذا التسجيل، إذ ظهر تسجيل آخر منسوب إلى نائب رئيس مجلس النواب عن حزب الحركة الشعبية، يتضمن، بحسب ما يتم تداوله، حديثاً عن استقطاب سكان إحدى الجماعات المحلية والتأثير في اختياراتهم، بهدف منح التزكية لشخص محدد تم الاتفاق عليه مسبقاً.
كما تضمن التسجيل المتداول إشارات أثارت جدلاً أكبر، من بينها حديث عن شبهات مرتبطة بالرشوة والسكر وسلوكيات أخرى، وهي ادعاءات خطيرة تبقى بحاجة إلى التحقق والتوضيح من أصحابها والجهات المعنية، ولا يمكن اعتبارها حقائق ثابتة بمجرد ورودها في تسجيلات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تسعى الأحزاب السياسية إلى إعادة ترتيب صفوفها، واختيار مرشحيها، واستقطاب الناخبين، وتقديم نفسها باعتبارها بديلاً قادراً على معالجة المشاكل التي يعاني منها المواطنون.
ويرى متابعون أن خطورة هذه التسجيلات، في حال ثبوت صحتها، لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في الصورة التي يمكن أن ترسمها لدى المواطن عن الحياة السياسية، خصوصاً في ظل تراجع الثقة في الخطاب الحزبي، واتساع الفجوة بين الوعود الانتخابية والممارسة السياسية اليومية.
فالمواطن لا ينتظر فقط شعارات جديدة أو برامج انتخابية يعاد صياغتها مع كل استحقاق، وإنما يريد إجابات واضحة حول ملفات البطالة وارتفاع الأسعار والصحة والتعليم والسكن والنقل والتنمية المحلية، إلى جانب ضمان الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام.
وفي المقابل، تظل قاعدة أساسية في التعامل مع مثل هذه التسجيلات، وهي ضرورة صدور توضيحات رسمية من المعنيين بالأمر لرفع اللبس وتوضيح حقيقة ما ورد فيها.
وفي انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من معطيات أو بلاغات رسمية، يجد الرأي العام المغربي نفسه أمام نقاش أوسع من مجرد تسجيلات مسربة؛ إنه نقاش حول صورة السياسة، وأخلاقيات الممارسة الحزبية، وحدود الصراع السياسي، ومدى احترام قواعد المنافسة الديمقراطية.
وبينما تتجه الأحزاب نحو الاستحقاقات المقبلة، يبقى السؤال المطروح: هل ستتحول هذه التسجيلات إلى مجرد عاصفة إعلامية عابرة، أم أنها ستدفع نحو فتح نقاش حقيقي حول شفافية العمل السياسي، وآليات اختيار المرشحين والتزكيات، ومدى احترام المسؤولين للأخلاق السياسية؟
فالسياسة لا تُقاس فقط بما يقال فوق المنصات وفي الحملات الانتخابية، وإنما أيضاً بما يحدث خلف الأبواب المغلقة. وإذا كانت التسجيلات المتداولة صحيحة، فإنها تستحق التحقيق والتوضيح، وإذا كانت مجتزأة أو مفبركة، فإن من حق المعنيين بها أيضاً اللجوء إلى المؤسسات المختصة لكشف الحقيقة ووضع حد للتأويلات.
وفي كلتا الحالتين، يبقى الرابح الحقيقي هو المواطن عندما تكون الحقيقة واضحة، والمساءلة قائمة، والممارسة السياسية خاضعة للقانون والأخلاق، بعيداً عن الصراعات الشخصية والمصالح الانتخابية الضيقة.



