الرأي

الرأي | فضل المحامي على الثقافة الإنسانية والسياسة والرئاسة الأمريكية  

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

  في هذه الأيام التي نتتبع فيها تظاهرة كرة القدم في أمريكا وبكثرة لهفة البحث عن أخبار المنتخب الوطني في كافة القنوات بعدما أصبح شغلنا الشاغل، بل شغل كل عربي أو مسلم أو إفريقي.. بل حتى مجموعات من قارات أخرى من الذين أبهرتهم التقنيات العالية للمدرسة المغربية، والتي أرجعتنا إلى الحاج العربي بن امبارك وبلمحجوب والقدميري وعلال وبوجمعة وأحرضان والزغاري وفرس وكثير من اللاعبين الذين أستسمحهم على عدم سرد أسمائهم…

وإن كان ذكر حادثة عبد السلام الذي عندما طلب منه الرئيس الفرنسي في خمسينات القرن الماضي أي أمنية يمكن تحقيقها له تحت نشوة انتصار الفريق الفرنسي بسبب مستواه البطولي الذي ظهر به هذا البطل المغربي الأصل آنذاك، قال له: عودة ملكي جلالة الملك محمد الخامس إلى عرشه، فسجل في ملعب فرنسا مطلبا باسم جميع المغاربة وناب عن الأمة التي كان خير سفير لها وأكد التزام الأبطال المغاربة عبر التاريخ بالإخلاص لوطنهم وشعوبهم وملوكهم الذين يبادلونهم في كل المناسبات نفس الحب والشعور .

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي غمرة البحث صادفت على “اليوتيوب” جولة عبر كاميرا برنامج “أميركا ببساطة” للصحفي مصطفى هاشم داخل مكتبة الكونغريس – أكبر صرح معرفي في العالم – من خلال جولة واستجواب مع المسؤول عن القسم العربي الذي يضم أكثر من 500.000 مادة باللغة العربية، ومن خلال مكاتب إقليمية (أبرزها في القاهرة)، تواظب أمريكا على اقتناء كل ما يصدر في العالم العربي. هذا الاستثمار الضخم في “المعرفة الأجنبية” يطرح دلالة واضحة: في المجتمعات الغربية يُعد الولوج إلى مصادر الثقافات الأخرى حجر الزاوية لفهم مسارات السياسة الدولية وإدارة العلاقات مع الشرق.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما عرض البرنامج مخطوطات نادرة لا تقدر بثمن، منها مصاحف مذهبة من الهند، ونسخ من العصر الصفوي تتضمن ترجمات فارسية دقيقة كتبت بالمداد الأحمر، ما يعكس حرصا غربيا على امتلاك وتوثيق الذاكرة الإنسانية.

تتمة المقال تحت الإعلان

والغريب، أنه عندما تأسست مكتبة الكونغريس عام 1800، لم تكن مجرد واجهة ثقافية، بل أُسست لتكون مرجعا موثوقا للمشرّعين الأمريكيين.

واليوم، تقف هذه المؤسسة كعملاق يضم أكثر من 180 مليون مادة معرفية بقرابة 480 لغة.

وعظمة أمريكا أنها بوضع هذه الترسانة المعرفية التي لا تقل عن ترسانتها العسكرية بين يد مشرعيها في البرلمان وتحت إشارتهم، فإنما تريد أن تكون تشريعاتها صائبة عندما تخطط لتنميتها، وعند إصدار القوانين، التي يجب أن تكون على مستوى عالي من البحث في جميع ميادين المعرفة قبل التصويت عليها.

وتتجلى عظمتها كذلك في أن الولايات المتحدة لا تمتلك “وزارة للثقافة” على الإطلاق؛ فالمشرّع والمجتمع هناك يرفضان مركزية الثقافة أو خضوعها لتوجيه حكومي مباشر، لكن الغريب أنه عندما أقدم الإنجليز على إحراق واشنطن، ومسحوا مبنى الكونغريس ومكتبته (التي ضمت حينها نحو 1200 كتاب) من الوجود، تدخل الرئيس والمحامي توماس جيفرسون لإنقاذ الموقف، فباع مكتبته الشخصية الضخمة (حوالي 6500 كتاب) للكونغريس، وبذلك كانت مكتبة هذا المحامي الموسوعي هي البذرة الحقيقية التي نبتت منها أكبر مكتبة في تاريخ البشرية اليوم.

وقد شهدت بلادنا أخيرا تبرعا وصدقة جارية، وليس بيعا كما فعل جيفرسون، للمكتبة الوطنية المغربية بزهاء 5000 عنوان من طرف أستاذنا القاضي الجليل إدريس الضحاك، في حفل بهيج لا زال الجميع يذكره .

وقد كشفت مقتنيات جيفرسون عن مفاجأة مذهلة؛ فقد كان يمتلك أول ترجمة إنجليزية للقرآن الكريم منقولة مباشرة من اللغة العربية (دون المرور باللاتينية) قام بها المحامي والمستشرق البريطاني جورج سيل (George Sale)، الذي درس لغة الضاد بعمق في القرن الثامن عشر.

وبذلك يكون فضل المحاماة على الثقافة الإنسانية ومعارف أمريكا والتعريف بالديانة الإسلامية لدى الشعوب الأنجلوساكسونية، كبيرا.. باعتبار المحامي الرئيس والمحامي مترجم القرآن.

أما في السياسة، فقد بلغ عدد الرؤساء الأمريكيين الذين مارسوا مهنة المحاماة أو درسوا القانون، 27 رئيسا، وهو ما يمثل حوالي 60 % من إجمالي عدد رؤساء الولايات المتحدة.

وتُعد المحاماة المهنة المدنية الأكثر شيوعا على الإطلاق بين قادة البيت الأبيض، حيث شكلت خلفية قانونية قوية ساعدتهم في صياغة التشريعات والسياسات العامة، و من أبرزهم :جون آدامز (1797-1801)؛ أبراهام لينكولن (1861-1865)؛ ويليام هوارد تافت (1909-1913)؛ فرانكلين روزفلت (1933-1945)؛ باراك أوباما (2009-2017)؛ ثم جو بايدن (2021-2025).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى