الرأي

الرأي | رسائل ابن زيدون بين الجد والهزل 

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

 إن أدب الرسائل هو الفن الوحيد الذي يتيح لنا اختراق الزمن، لنجلس في الغرفة المعتمة ذاتها مع الأديب أو القائد أو المحب أو المحبوبة أو الشاعر أو الموسيقي.. لنسمع دقات قلبه، ونقرأ أفكاره قبل أن تُنقى وتُهذب لتناسب مطابع النشر أو منصات الخطابة؛ لذلك لم أرد أن أمر مرور الكرام في نزهتي الأدبية وأنا أتجول في بساتين الأندلس دون أن أشرك قرائي وقارئاتي معي في الاطلاع على رسائل قلم عذب في بيان وسجع، وتاريخ وأحداث سبق بقرون كتاب الرسائل التي عهدناها في الغرب بيانا وروعة.

ومعلوم أن الرسائل شكلت في الأدب العربي الكلاسيكي جنسا أدبيا قائما بذاته، ولم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل ساحة لاستعراض البيان، والبلاغة، والنقد السياسي والاجتماعي.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويعد الشاعر والوزير الأندلسي ابن زيدون (1003م-1071م) من أبرز من صاغوا هذا الفن، حيث تنوعت رسائله بين العاطفي الوجداني، والسياسي اللاذع، والبياني المحض..

تتمة المقال تحت الإعلان

فلقد عاش ابن زيدون في فترة حرجة من تاريخ الأندلس، وهي فترة عصر ملوك الطوائف بعد سقوط الخلافة الأموية في قرطبة. هذا الاضطراب السياسي انعكس بشكل مباشر على نتاجه النثري، وتحديدا في رسالتين طار صيتهما في الآفاق:

تتمة المقال تحت الإعلان

1) الرسالة الهزلية (تاريخها: حوالي 1041م-1043م):

الرسالة الهزلية كتبها ابن زيدون وهو في سجنه بقرطبة، والذي دخله إثر مؤامرة سياسية وخلاف حاد مع الوزير ابن عبدوس (منافسه على قلب الشاعرة والوزيرة ولادة بنت المستكفي).

والرسالة ليست “هزلية” بالمعنى الفكاهي البسيط، بل هي هجاء سياسي واجتماعي لاذع ومبطن بالتهكم.

فقد نجح ابن زيدون في جعل ابن عبدوس أضحوكة في صالونات قرطبة وأنديتها الأدبية، حيث صاغ رسالته على لسان محبوبته ولادة، موجهة إلى ابن عبدوس، متظاهرا بالدفاع عنه بينما هو يجرده من كل فضيلة إنسانية أو أدبية، مستخدما كمّا هائلا من الإشارات التاريخية والأدبية لإظهار جهل خصمه وضآلة قيمته، ومنها قوله: “فَلَوْ رَآكَ سُقْرَاطُ لَاسْتَفَادَ مِنْ حِكْمَتِكَ، أَوْ أَدْرَكَكَ لُقْمَانُ لَتَعَلَّمَ مِنْ عِبْرَتِكَ! بَلْ لَوْ نَظَرَ إِلَيْكَ أبَقْرَاطُ لَعَرَفَ عِلَّةَ الْجَهْلِ الَّتِي أَعْيَتْهُ النَّظَرِيَّاتُ فِي دَوَائِهَا!”؛ فهو يقول له تهكما: “لو رآك الفيلسوف اليوناني سقراط أو الحكيم لقمان.. لتعلما منك الحكمة”.

ويختم التشبيه بأبقراط (أبو الطب)، فيقول: “لو رآك لعرف فيك المظهر المتجسد لمرض الجهل الحقيقي، أي أنك لست حكيما، بل أنت العينة الحية والمثالية للمعتوه الجاهل التي يدرسها الأطباء.

2) الرسالة الجدّية: 

 الرسالة الجدية وجهها ابن زيدون من محبسه إلى أمير قرطبة آنذاك، أبي الوليد بن جهور، يستعطفه ويطلب العفو، وقد استخدم فيها أسلوب الاعتذاريات الكلاسيكي (مستلهما اعتذاريات النابغة الذبياني)، مذكّرا الأمير بولائه القديم وبأقدار الرجال، ومستعرضا ثقافته الموسوعية لإثبات أن مكانه هو ديوان الوزارة لا مظلمة السجن.

وكان لهذه الرسالة أثرها في تخفيف وطأة سجنه ثم فراره.

كتبها ابن زيدون لاستدرار عطف الأمير ابن جهور مستعرضا براءته، ومذكرا إياه بماضيه المجيد في خدمته، مستخدما لغة بليغة ورصينة مليئة بالاقتباسات القرآنية والشعرية، ومنها: “يَا مَوْلايَ، وَإِنْ غَسَقَ الْخَطْبُ، وَأَظْلَمَ الْجَفَاءُ؛ فَإِنَّ مَطَالِعَ الْأَمَلِ لَا تَزَالُ مُشْرِقَةً بِأَنْوَارِ رِضَاكَ، وَمَذَاهِبَ التَّأْمِيلِ لَا تَزَالُ مُسْفِرَةً بِسَنَا عَفْوِكَ.. حَاشَا لِذَلِكَ الْفَضْلِ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْصَالُ، وَلِذَلِكَ الْإِحْسَانِ أَنْ يَعْقُبَهُ الْإِغْفَالُ! هَبْنِي أَسَأْتُ، فَأَيْنَ الْعَفْوُ، أَمْ هَبْنِي أَخْطَأْتُ فَأَيْنَ التَّجَاوُزُ؟”.

فهو يبدأ بمخاطبة الأمير بـ”يا مولاي”، واصفا محنته وسجنه بـ”الخطب الغاسق” (الأمر المظلم الشديد)، لكنه رغم هذا الظلام متمسك بالأمل في عفو الأمير (سنا عفوك).

وينتقل إلى صيغة سؤال استنكاري بليغ ومؤثر جدا: “هبني أسأت، فأين العفو؟”، وهو هنا يقدم مقايضة ذكية؛ فالعفو والمسامحة لا يظهر فضلهما وكرمهما إلا إذا وُجدت إساءة أو خطأ.. فكأنه يمنح الأمير فرصة ليمارس شيم الملوك والكرام.

وفي الجماليات، استخدم السجع غير المتكلف (الجفاء/رضاك، الاستئصال/الإغفال)، واستعار الضياء والنور للعفو والأمل، والظلام للمحنة والسجن.

لذلك ظلت هذه الرسائل واحدة من أزهى ملامح الأدب الأندلسي في عصر ملوك الطوائف، حيث مثل ابن زيدون بعبقريته الشعرية والنثرية نموذجا لـ”المثقف الوزير”، الذي امتزجت حياته السياسية بإنتاجه الإبداعي وعواطفه، ولا زالت كتاباته وأشعاره إلى يومنا هذا محل دراسة ولحن وموسيقى، مما يؤكد عبقريته وسعة علمه وثقافته الواسعة في مجالسة أصحاب الرأي والفكر والساسة والحكام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى