الرأي

رأي | الدلالات العميقة لشعيرة الأضحى

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

في كتابه “إبراهيم أبو الأنبياء”، يتناول المفكر والكاتب عباس محمود العقاد قصة الذبيح ليس بمجرد سرد تاريخي، بل كمنعطف تاريخي وفلسفي غيّر مجرى الفكر البشري حول مفهوم العبادة والقربان.

ولشعيرة ذبح الأضحية (الخروف) في الإسلام دلالات عميقة تتداخل فيها الأبعاد التاريخية، والدينية، والفلسفية، والغيبية؛ فلهذه الشعيرة دلالات أعمق مما نراه اليوم حول ما يجري في أسواقنا من مضاربات وجعلها موضوع عدة مناقشات سياسية واقتصادية وتحميل كل طرف مسؤوليات عدم جعلها في متناول الفقراء الذين هم أصلا معنيون بها، بل إنما هي في أصل شرائها من طرف من تيسر له ذلك، معدة أصلا لحومها لمن لم يتيسر له هذا الشراء، فلماذا يا ترى التسابق والتهافت على اقتنائها؟ إن لم يكن خروج هذه الشعيرة على قصد الدين منها، فكما جاء في سورة الحج: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾، ومعناه وتفسيره أن الله سبحانه وتعالى غني عن ذبائحنا وعن كل ما نتقرب به إليه، فهو لا يحتاج إلى لحوم الأضاحي ولا دمائها.. فقد كانت الغاية منها إبطال عادات الجاهلية، حيث كان أهلها يذبحون البُدْن (الإبل) وينضحون الكعبة بدمائها ويلطخونها بها، فنزلت الآية لبيان أن الله لا يرتفع إليه الدم ولا اللحم، وإنما شرع النحر للعبادة والامتثال، كما أن جوهر القبول هو الإخلاص والتقوى، فالله سبحانه وتعالى يقبل من العبد العمل الصالح الخالص لوجهه.

تتمة المقال تحت الإعلان

وذكر ابن عاشور أن قوله: ((لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)) إيماء إلى أن إراقة الدماء وتقطيع اللحوم ليسا مقصودين بالتعبد، ولكنهما وسيلة لنفع الناس بالهدايا؛ إذ لا يُنْتَفَعُ بلحومها وجلودها وأجزائها إلا بالنحر أو الذبح، وإن المقصد من شرعها هو انتفاع الناس المهدِين وغيرهم، فأما المهدون فانتفاعهم بالأكل منها في يوم عيدهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم صيام يوم النحر.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقبل النبي إبراهيم عليه السلام، كان تقديم “القربان البشري” (خاصة الأبناء البكر) للآلهة طقسا شائعا في الحضارات القديمة (مثل الكنعانيين والقرطاجيين) لإرضاء الآلهة أو اتقاء غضبها، ثم جاءت الرؤية الإبراهيمية وفداء ابنه بكبش عظيم لتحدث ثورة تاريخية: عندما نقلت البشرية من “تقديم الإنسان قربانا للرب” إلى “تضحية الحيوان خدمة للإنسان وتقربا لله”، ثم أعلنت تكريم النفس البشرية وحمايتها، فالله لا يريد دماء البشر، بل يريد امتثالهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ففي العقيدة الإسلامية، تجسد الأضحية أسمى معاني الإسلام (بمعنى الاستسلام المطلق لأمر الله)، وهي اختبار للحب والولاء، حيث تم تقديم حب الطاعة على حب الأبوة الجارف.

 والأضحية اليوم هي إحياء مستمر لهذه الذكرى، وتأكيد على سُنّة التكافل الاجتماعي من خلال توزيع اللحوم على الفقراء والأقارب، مما يحول الطقس التعبدي إلى منفعة اجتماعية.

أما فلسفيا، كما يلمح العقاد، فالذبح ليس شهوة للدم، بل هو ذبح للشهوات والارتباطات المادية العائقة، فالكبش هنا رمز للمادة التي تُفدى بها الروح.

والتذكير بأن الإنسان لا يملك شيئا ملكية مطلقة، حتى أبناءه وماله، بل كل شيء عارية مستردة من الخالق.

كما تكمن الدلالة الغيبية في أن الأمر بالذبح جاء عبر الرؤيا (ورؤيا الأنبياء وحي)، وهو تعامل مع عالم الغيب والميتافيزيقا.

إن الامتثال لأمر غير مفهوم العلة عقليا في البداية (ذبح الابن الصالح)، يمثل قمة الإيمان بالغيب الثقة المطلقة في حكمة الله الخفية، التي تجلت لاحقا في أن “المحنة” كانت في طياتها “المنحة” والفداء.

ففكرة تقديم الأضاحي والقرابين الحيوانية (وحتى البشرية) قديمة قدم الأديان، والطقوس السحرية بدأها الفراعنة والبابليون فكانوا يقدمون الحيوانات والحبوب، وأحيانا قرابين بشرية (مثل أسطورة عروس النيل) لضمان فيضان النهر أو النصر في الحروب.

وفي الديانة اليهودية، تبنت قصة الفداء الإبراهيمي (مع اختلافهم في هوية الذبيح؛ حيث يرون أنه إسحاق وليس إسماعيل كما في الإسلام)، وأسست اليهودية نظاما معقدا للقرابين في “الهيكل”.

أما المسيحية، فقد نظرت إلى فكرة الأضحية والدم من منظور مختلف، حيث يعتبر السيد المسيح في العقيدة المسيحية هو “حمل الله” أو “القربان الأسمى والنهائي” الذي فدى البشرية بدمه على الصليب، ولهذا لا توجد شعيرة ذبح حيوانات في المسيحية اليوم، بل استُبدلت برمزية “العشاء الرباني” (القداس).

أما الفلاسفة والمفكرون، مثل الشاعر والفيلسوف محمد إقبال، فقد بحث في شعيرة الفداء في أشعاره وفلسفته، ورأى فيها تجسيدا لقوة الإرادة الإنسانية عندما تتحد بالإرادة الإلهية، معتبرا أن التضحية هي المحك الأساسي لـ”صقل الذات” وتجاوز الخوف من الموت والعدم.

فالفداء يعلم الإنسان كيف يعيش من أجل غاية أسمى من مجرد البقاء البيولوجي.

تقبل الله منا ومنكم وأضحى مبارك سعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى