الرأي

الرأي | المعرض الدولي للكتاب بين الأمس واليوم 

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

 شهدت بلادنا في العشرة أيام الأولى من شهر ماي، انعقاد المعرض الدولي للكتاب بالرباط، ورغم الجدل بين البيضاويين وسكان العاصمة حول أحقية المدينة الأولى باحتضان المعرض، فإن لكل مدينة من المدينتين العزيزتين على كل مغربي، خصائصها التي تكمل بعضها البعض، باعتبار أن أي مدينة في بلادنا تستحق هذا الاحتضان الذي نتمنى أن يعم كل تجمع سكني في تراب المملكة ولو عن طريق معارض محلية، لتعم المعرفة والإشعاع الأدبي وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..

أسس معرض الكتاب في المغرب عام 1986 ، وكان ثمرة تلاقح بين الإرادة السياسية والمثقفين الذين آمنوا بضرورة وجود “موسم أدبي” وطني.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويذكر التاريخ أسماء مؤسسين، من سياسيين ووزراء ومثقفين ساهموا في اللبنات الأولى لبناء هاته المعارض، كبنسالم حميش، بصفته روائيا وفيلسوفا ووزيرا للثقافة، والذي كان من أقوى المدافعين عن دور المعرض في ترسيخ “الأمن الثقافي” المغربي، وكذا محمد الأشعري، الشاعر والروائي الذي أشرف على تطوير المعرض لسنوات طويلة، حيث انتقل المعرض في عهده من الصبغة المحلية إلى الصبغة الدولية الاحترافية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما لعب أعضاء اتحاد كتاب المغرب منذ الثمانينات، دورا محوريا في رسم ملامح البرنامج الثقافي، وضمان حضور الكتاب المغاربة جنبا إلى جنب مع الناشرين الأجانب.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولم يقم المعرض على الكتاب المغاربة وحدهم، بل ساهمت شخصيات عالمية في “تأسيس شهرته” عبر حضورها المستمر وندواتها، مثل الطاهر بن جلون (المغربي الفرنسي) الذي كان دائما جسرا لجذب دور النشر الفرنسية والعالمية للمشاركة، وأيضا كتاب من العالم العربي، مثل الشاعر أدونيس، والراحل محمود درويش، الذي كانت أمسياته في المغرب (ومنها تلك المرتبطة بسياق المعرض) أحداثا تاريخية، وكذلك المثقفين الفرنكفونيين، إذ ساهمت أسماء مثل إدغار موران، وخوان غويتيسولو (الذي عاش في مراكش) في إعطاء المعرض صبغة كونية تجذب الصحافة العالمية.

وطبعا إلى جانب كتاب ومفكرين وشعراء ومسرحيين وصحفيين مغاربة، تعدت شهرتهم الحدود الوطنية وساهموا، على اختلاف مشاربهم، في إثراء هذه الملتقيات العالمية.

ومن أهم مميزات المعارض الدولية هو ما أصبحت تتسم به لقاءات التوقيع كفضاء يجمع في لقاء مباشر بين الكاتب وقرائه، حيث تتحول الرواية من مجرد ورق إلى تجربة إنسانية مشتركة.

هذا اللقاء يكسر العزلة التي يعيشها الأديب أثناء الكتابة، وغالبا ما يتم الإعلان عن القوائم القصيرة أو الفائزين بجوائز كبرى (مثل جائزة المغرب للكتاب) تزامنا مع فترة المعارض، مما يسلط الضوء على أعمال أدبية معينة ويرفع من مبيعاتها وقيمتها النقدية، وبغض النظر عن الماديات، فهي لا تبقى هدفا في حد ذاتها بقدر ما ينشد منها وسيلة لتشجيع الإنتاج الأدبي والفكري؛ فالندوات الفكرية تجسد أهمية الأدب في مواجهة الواقع، إذ لا يكتمل معرض الكتاب دون “البرنامج الثقافي”؛ ففي هذه الندوات، يُطرح الأدب للنقاش بغية تحقيق النقد الأدبي، حيث يجتمع النقاد لتحليل الاتجاهات الجديدة في الرواية أو الشعر، مما يساهم في توجيه الذوق العام.

فالأدب لصيق بمجتمعه، إذ تناقش المعارض مواضيع حساسة مثل “الأدب والمنفى”، “الرواية والتاريخ”، أو حتى “القانون في المرآة الأدبية”.. وهي نقاشات تثري المحتوى الأدبي وتجعله مواكبا لتغيرات العصر.

وتعتبر المعارض محركا لحركة الترجمة، إذ أن الأدب العالمي لا يصل إلينا إلا عبر بوابة المعارض، وهي المكان الذي تلتقي فيه دور النشر العالمية لتبادل “حقوق الترجمة”؛ فبفضلها نجد الرواية الفرنسية مترجمة للعربية في المغرب، والأدب المغربي مترجما للإسبانية أو الإنجليزية، مما يخلق حوارا حضاريا عابرا للقارات.

كما أن رمزية الفضاء توحي دائما بمدينة الأدب المصغرة، إذ يخلق المعرض بديكوراته المتنوعة ولوحاته وأضوائه وألوان الكتب وترتيبها وعرضها ومسحتها الجمالية التي أصبحت شركات خاصة مختصة في إبرازها، ما يشبه “المدينة الفاضلة” للأدباء والقراء؛ ففي بلادنا مثلا، يتحول المعرض الدولي للنشر والكتاب إلى فضاء تلتقي فيه كل الأجيال الأدبية، من الرواد الذين وضعوا أسس الأدب المغربي الحديث، إلى الشباب الذين يختبرون خطواتهم الأولى في عالم الكتابة.

وقد أصبح من الملاحظ في المعارض المغربية تحديدا، وجود اهتمام متزايد بكتب السير الذاتية لرجال القانون والفكر والفلسفة والأدب، أو الروايات التي تتخذ من قاعات المحاكم مسرحا لها، أو إنتاجات المؤسسات العامة التي أصبحت تشكل مرجعيات في الإحصاء وتطور التقنيات الحديثة، وهو نوع من الأدب يجد في المعرض فرصة للوصول إلى جمهور مزدوج: المهنيون، وعشاق الأدب الرفيع.

إلى جانب أدب موجه للأطفال والناشئة، ورغم قلته، فإنه هو المعول عليه في المستقبل لتكوين ملكة القراءة وحبها في نفس وكيان الطفل وتطعيمها بما يفيده في مجال تكوين دراسته وتكوين ذوق سليم في إعداده لمستقبل قريب، وهذه هي مسؤولية دارسي استراتيجيات المعارض.

وهي كلها رهانات مستقبلية دون شك سوف يكون الرابح فيها هي الثقافة والفكر والأدب والفن والموسيقى وكل الفنون الجميلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى