الرأي

الرأي | حين كانت المقاهي منارات للعلم.. هل تعود ؟

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

 من الظواهر المؤسفة التي باتت تطبع مشهدنا اليوم، تراجع الدور الثقافي للمقاهي، بعدما أصبحت المردودية المادية هي البوصلة الأولى والأخيرة، وبين الأمس واليوم، مسافة من الحنين والأسئلة المفتوحة.

أتذكر، بحسرة ممزوجة بالفخر، سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حين كانت المقاهي فضاءات نابضة بالحياة الفكرية. كنا، نحن الطلبة، نرتادها لا لنقتل الوقت، بل لنحييه: قراءة، دراسة، ونقاشا. كانت الطاولات تتحول إلى حلقات فكر، تُطرح فيها القضايا بعمق، وتُصقل فيها الآراء بالحجة والحوار.

وفي مدينة فاس – مثلا- كانت أسماء بعض المقاهي تُتداول باحترام، لا لجودة قهوتها فقط، بل لرسالتها الثقافية. كان يُحكى كثيرا عن مقهى “الأندلس” بباب الخوخة عدوة الأندلس، باب الفتوح، حيث كان والدي رحمه الله وشركاؤه، في ستينات القرن الماضي، يحرصون على توفير بيئة ملائمة للطلبة: هدوء، تشجيع، بل وحتى دعم مباشر لكل من يسعى إلى التحصيل والمعرفة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولم يكن هذا النموذج استثناء؛ ففي المدينة الجديدة، بساحة فلورنسا، كان مقهى “لوازيس” لأبي وشركائه كذلك يعجّ بالطلبة والمسرحيين، وملتقى حيا للأفكار والإبداع. آنذاك، كانت المقاهي تكاد تتسابق في توفير الجرائد والمجلات لروادها، إيمانا بأن الثقافة ليست ترفا، بل حاجة يومية.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن هذه الصورة بدأت تتلاشى تدريجيا، وتسارعت وتيرة اختفائها مع سنوات الجائحة، حيث انقطعت تلك العادات الجميلة، وحلّت محلها أنماط استهلاكية أكثر برودة وأقل عمقا.

صحيح أن المكتبات والخزانات ستظل الفضاء الأمثل للقراءة المركّزة، لكن هل يُعقل أن تتحول المقاهي – وهي جزء أصيل من نسيجنا الاجتماعي – إلى مجرد أماكن لتمضية الوقت دون أي نشاط فكري؟ ألسنا في حاجة إلى إعادة التوازن، بحيث يجتمع الترفيه مع الفائدة، والراحة مع المعرفة ؟

إن كلمة اقرأ، أول ما نزل من الوحي، ليست مجرد توجيه ديني، بل هي إعلان حضاري دائم بأن العلم هو السبيل الأسمى للارتقاء، ومن هنا، فإن استعادة المقاهي لدورها الثقافي ليست حلما مستحيلا، بل مشروعا ممكنا إذا تظافرت الجهود: من أصحاب المقاهي، والمثقفين، ومن الشباب أنفسهم.

ورغم كل التحولات، يبقى الأمل قائما؛ فجيل اليوم، رغم انشغالاته الرقمية، يمتلك شغفا خفيا بالمعرفة، يحتاج فقط إلى فضاءات تحتضنه وتوجّهه، وربما تعود المقاهي يوما بروح جديدة لتكون جسورا بين المتعة والفكر، بين الحاضر والماضي، وبين الإنسان ونور الكلمة. حينها فقط، سنوقن أن ما خسرناه يمكن أن يُستعاد، بل وإن المستقبل قد يكون أكثر إشراقا مما نظن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى