الرأي | الاكتشافات الحديثة تدعم نظرية العقاد حول إبراهيم الخليل


يرى عباس محمود العقاد، أن إبراهيم عليه السلام أحدث أعظم ثورة روحية في تاريخ البشرية، وهي فتوح أبقى أثرا من تسخير الإنسان للنار أو الكهرباء أو الذرة.
فدراسته لشخصية إبراهيم عليه السلام ورسالته في كتابه “إبراهيم أبو الأنبياء”، مبنية على حجج عقلية وتاريخية، وآثارا حديثة استطاع أن يربطها بالدراسات الإسلامية معتمدا على الجغرافيا في تفسير دعوة إبراهيم الخليل، ناهيكم عن الرسالات السماوية، بل إن علم الآثار والتنقيبات الحديثة أثبتت حتى بعد وفاته عدة حقائق حديثة جدا وملموسة عززت وجهة نظره.
فالعقاد يرى أن الخليل نقل مقاييس القوة من أيدي البشر إلى اليد الإلهية، حيث يتساوى القوي والضعيف أمام خالق واحد، مما أرسى دعائم المساواة الحقيقية والتي لم ترق إليها الإنسانية إلا بعد جهد جهيد في التفكر والاعتبار، وارتقى بالعبادة من الخوف من قوى الطبيعة أو التذلل لها، إلى الإيمان بقوة عليا تدير الكون، مما منح الإنسان حرية وكرامة أدبية وساقها إلى التوحيد والرقي بالعقل والفكر الإنساني إلى درجات متقدمة من الوعي.
كما أن دعوته لم تكن مجرد فلسفة كهنة أو مراسيم دولة كما كان الحال عند الفراعنة، بل كانت عقيدة حية تمتزج بالسرائر وتخاطب الضمير الإنساني، واستند العقاد إلى منهج المقابلة لتمحيص السيرة عبر الأديان الثلاثة، التي يدين بها اليوم أكثر من أربعة ملايير من ساكنة الأرض.
المصادر الإسرائيلية (العهد القديم): وثقت أسفار التكوين خروج إبراهيم الخليل من “أور الكلدانيين” إلى كنعان، ورحلاته، وبشارته بالنسل، وولادة إسماعيل وإسحاق، وأشار العقاد إلى أن اختلاف نسخ التوراة (ألوهيم، يهوا، الكهنة) وتأخر تدوينها، أدى إلى بعض التباين في تفاصيل السيرة.
وبالنسبة للمصادر المسيحية (العهد الجديد): فأضافت مفهوما جديدا للحياة بعد الموت عبر مصطلح “حضن إبراهيم” كرمز للنعيم، كما نقلت الانتماء لإبراهيم من رابطة الدم، والعصبية إلى رابطة الإيمان والروح.
أما المصادر الإسلامية: فقد قدم القرآن الكريم الصورة الأكمل للمحاججة العقلية لإبراهيم مع أبيه وقومه، ورفضه لعبادة الأصنام والكواكب.
وتفردت الأحاديث النبوية بذكر تفاصيل رحلته إلى مكة، وقصة هاجر وسعيها، وتفجر ماء زمزم، وبناء الكعبة المشرفة مع ابنه إسماعيل، وقصة “عتبة الباب” الرمزية العظيمة.
وأما المحطات الجغرافية والأثرية: فقد دعمت الاكتشافات الأثرية الحديثة، السياق التاريخي لحياة الخليل في حقبة “العصر البرونزي الوسيط”: فمدينة أور (العراق)، مسقط رأسه، كشفت فيها حفريات ليونارد وولي، عن زقّورة ضخمة ومقابر ملكية تؤكد أنها كانت حاضرة متطورة تعبد الكواكب وتؤمن بالتضحيات البشرية، مما يفسر البيئة التي ثار عليها الخليل.
وناقش العقاد كذلك في كتابه إشكالية “الوجود التاريخي” لإبراهيم عليه السلام، مشيرا إلى أن “سفر التكوين” حدد مولده في أور الكلدانيين، ويرى العقاد أن بعض باحثي القرن العشرين شككوا في وجوده التاريخي بحجة غياب النقوش المباشرة، أو بسبب تداخل الأساطير في سيرته المبكرة، لكنه يرد بأن هذا المنهج “زراية بالعلم والعقل”، فمدينة أور كانت حاضرة كبرى، وانتقال إبراهيم منها إلى حاران، ثم كنعان ومصر، يمثل حركة تاريخية وروحية كبرى لشخصية أحدثت أعظم فتوح الضمير في التاريخ.
ويشير العقاد إلى أن علماء الآثار واللغويات عادوا إلى النصوص الدينية (مثل العهد القديم) لمطابقتها مع المصطلحات الفلكية المسمارية المكتشفة في آثار بابل وآشور، مما يؤكد الجذور التاريخية العميقة لتلك الحقبة، وأن التراث الإبراهيمي يقف على أرضية تاريخية صلبة لا تنفيها الكشوفات، بل تعمل كـ”مصفاة” تنقي السيرة من القشور والشوائب.
كما أن الاكتشافات الأثرية التي تسلط الضوء على مدينة أور، حيث تقع هذه المدينة (مسقط رأس النبي إبراهيم) في محافظة ذي قار جنوبي العراق، وكانت تقع قديما على مصب نهر الفرات في الخليج العربي قبل أن يتغير مجرى النهر تدريجيا عبر آلاف السنين، لتصبح اليوم منطقة داخلية نائية، وكشفت الحفريات عن معالم مذهلة أثبتت تطورها الحضاري والتجاري، عندما قاد عالم الآثار البريطاني، ليونارد وولي، أهم حملة تنقيب في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، بالتعاون مع المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا.
وثبت أن زقّورة أور الخالدة، تعد من أقدم المعابد الهرمية المدرجة في العالم، وقد بناها الملك أور-نامو، مؤسس سلالة أور الثالثة، حيث كانت تتكون الزقّورة من ثلاث طبقات وكانت مخصصة لإله القمر “نانار”.
أما المقبرة الملكية، فقد اكتشف وولي، 16 مقبرة ملكية ضمت كنوزا لا تحصى، تعود لمنتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد، منها مقبرة الملكة بوابي، حيث عُثر على مجوهرات ذهبية، وقيثارة أور الشهيرة، و”لوحة الحرب والسلم”، بالإضافة إلى أدلة على طقوس تضحية بشرية واسعة النطاق لمرافقة الملوك في العالم الآخر.
وفي السنوات الأخيرة، لا بد من الإشارة إلى ما يدعم نظرية العقاد، فقد ثبت (عبر فرق عراقية-أمريكية مشتركة مثل تنقيبات عام 2015)، لما تحول تركيز العلماء من البحث عن كنوز المعابد والقصور، إلى فهم طبيعة الحياة اليومية لعامة الشعب والاقتصاد، ومن أهمها أدلة التجارة والغذاء، حيث تم العثور حديثا على خشب الأبنوس (يسمى تاريخيا بخشب ملوخا الأسود)، وهو أول دليل مادي ملموس يثبت وجود تجارة بحرية بعيدة المدى في أور، كما عُثر على بقايا نباتية، مثل التمر المجفف في قبر طفل، مما يوفر معلومات دقيقة وعلمية عن النظام الغذائي للسكان.
واعتبارا للأهمية الروحية المعاصرة، لا تزال المدينة تمثل رمزا للتسامح الديني، وهو ما تجلى في الزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان إليها سنة 2021، حيث وصفها بـ”ينبوع الإيمان”، ودعا منها إلى نبذ التطرف والعنف والكراهية والتعصب، وقد علقت الصحافة آنذاك بأن زيارة بابا الفاتيكان لمدينة أور ذات طابع ديني ومجتمعي، فالجانب الديني منها يكمن في أهميتها الأثرية وقدسيتها لكونها مهد الحضارة الإنسانية وتضم “بيت النبي إبراهيم الخليل”، الذي ورد ذكره في “الإصحاح رقم 11” من “سفر التكوين”.
يتبع..



