الرأي

الرأي | حين يسقط القانون.. ما الذي يخسره العالم ؟

عبد الرفيع حمضي
بقلم: عبد الرفيع حمضي

 “في غياب سلطة مشتركة، يعيش الناس في حالة حرب الجميع ضد الجميع” (توماس هوبز).. لم يكن هوبز يصف زمنا غابرا فقط، بل كان يضع يده على لحظة تتكرر كلما تراجع القانون وتقدمت القوة، وما يحدث اليوم في الشرق الأوسط يطرح السؤال ذاته: ماذا يخسر العالم حين يسقط القانون ؟

لسنا أمام تصعيد عسكري عابر، بل أمام تحول نوعي؛ فالضربات التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران خارج أي تفويض أممي، تقابلها عمليات إيرانية تستهدف دولا في المنطقة، من الخليج إلى محيطه، بما في ذلك قصف يطال فضاءات سيادية. هذه الأفعال، في مجموعها، لا يمكن قراءتها كوقائع منفصلة، بل كأعراض لمرحلة جديدة: مرحلة ما بعد القانون.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن القانون الدولي مثاليا، لكنه كان يمثل سقفا يحتكم إليه، أو على الأقل يستحضر عند تبرير الأفعال.. واليوم، تغير هذا المنطق، فلم يعد القانون يخرق على استحياء، بل يتجاوز بشكل مباشر وكأن الحاجة إلى تبريره لم تعد قائمة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولم تعد الأمم المتحدة، التي ولدت أصلا لتفادي هذا الانفلات، قادرة إلا على تسجيل العجز بدل منعه؛ فهي اليوم أقرب إلى شاهد على التحول منها إلى فاعل فيه.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن الخطأ يكمن في النظر إلى هذا التحول باعتباره مجرد أزمة سياسية؛ فالقانون الدولي لم يكن فقط أداة لتنظيم العلاقات بين الدول، بل كان تعبيرا عن تطور حضاري سعت من خلاله البشرية إلى الحد من العنف، وإخضاع القوة لمنطق مشترك. لقد كان، بهذا المعنى، أحد أهم المكاسب التي راكمها الإنسان بعد قرون من الحروب.

حين يسقط هذا القانون، لا يسقط فقط كمرجعية دولية، بل كقيمة، لأن القانون في جوهره ليس نصوصا تطبق فحسب، بل فكرة يؤمن بها الفاعلون، وإذا فقدت هذه الفكرة معناها في أعلى مستوياتها، فإنها تبدأ في التآكل داخل الدول نفسها، وهنا يكمن الخطر الأكبر؛ فحين ترى المجتمعات أن الدول الأقوى تتصرف خارج القانون دون مساءلة، فإن الرسالة التي تصل لا تكون سياسية فقط، بل حضارية مفادها أن القانون لم يعد ملزما، وعندما يتحول القانون إلى خيار، يفقد صفته كقاعدة، ويتحول إلى أداة ظرفية.

في هذا السياق، تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية، مسؤولية خاصة بحكم موقعها في النظام الدولي، ولأنها اختارت إدارة الصراع بمنطق القوة الصرفة دون اعتبار فعلي لقواعد الشرعية الدولية، ومن جهتها، تتحمل إيران مسؤولية تحويل الإقليم إلى مجال اشتباك مفتوح، سواء عبر تدخلاتها أو عبر استهدافها المباشر لدول المنطقة.

هذه المسؤوليات ليست متقابلة بقدر ما هي متراكمة، وتلتقي جميعها في نتيجة واحدة: تقويض القاعدة التي تضبط العالم.

وقد يعتقد أن هذا الانهيار سيبقى محصورا في العلاقات الدولية، لكن التجارب التاريخية تظهر أن القانون حين يضعف في الخارج، يضعف في الداخل، لأن الدولة الحديثة تقوم على احتكار العنف داخل إطار قانوني، وإذا اهتز هذا الإطار على المستوى الدولي، فإن شرعيته تتآكل تدريجيا داخل المجتمعات.

بمعنى آخر، حين يسقط القانون بين الدول، يبدأ في فقدان هيبته داخل الدول.. ولعل أخطر ما في هذه اللحظة هو أنها لا تعلن نفسها كقطيعة واضحة، بل تتسلل تدريجيا؛ فخرق القانون حين يتكرر دون كلفة، يتحول إلى سلوك عادي، ثم إلى معيار جديد، وهنا نكون قد دخلنا فعلا مرحلة لا يُسأل فيها عن مشروعية الفعل، بل عن قدرته على التحقيق.

وفي الأخير، إذا كان القانون قد مثل محاولة الإنسان للحد من عنف الإنسان، فإن سقوطه لا يعني فقط عودة الصراع، بل عودة الصراع دون سقف. وهذا، في جوهره، ليس فشلا سياسيا فقط، بل خسارة لأحد أهم مكتسباتنا الحضارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى