الرأي

الرأي | بين وهم “اتفاق القرن” وذاكرة الدم.. هل هي عودة الهيمنة ؟

محمد عبيدو
بقلم : محمد عبيدو

 تروج بعض المنابر الإعلامية الفرنسية، ومعها أبواق فرنكوفونية تدور في فلكها، لما تصفه بـ”اتفاق تاريخي” بين المغرب وفرنسا، بل وتذهب إلى تسميته “اتفاق القرن”، غير أن الشعوب التي دفعت ثمنا باهظا من دمائها لا تنخدع بالعناوين البرّاقة، ولا تُقايض ذاكرتها الوطنية بالشعارات الدبلوماسية.

فحين يُذكر “الاتفاق التاريخي”، تستيقظ في الوعي المغربي ذكرى محطة Aix-les-Bains سنة 1955، التي ارتبطت بسياق سياسي معقد سبق عودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى. هناك، في ظل اختلال ميزان القوة، صيغت تفاهمات لا تزال محل نقاش تاريخي وسياسي إلى اليوم، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام شراكة ندية فعلا، أم أمام إعادة إنتاج ناعم لعلاقات صيغت يوما تحت سقف الهيمنة ؟

لقد عانى المغرب خلال فترة الحماية المفروضة سنة 1912، من قمع ممنهج، ومجازر مروعة، وسياسات هدفت إلى إخضاع الإنسان والأرض معا: عشرات الآلاف من الشهداء سقطوا دفاعا عن الكرامة والسيادة.. ومع ذلك، لم يصدر إلى اليوم اعتذار رسمي صريح وشامل من الدولة الفرنسية يعترف بوضوح بمسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية. إن المصالحة الحقيقية مع الماضي لا تتم بالصمت، بل بالشجاعة الأخلاقية.

تتمة المقال تحت الإعلان

العلاقات المغربية الفرنسية، منذ الاستقلال، اتسمت بتقلبات حادة تحكمها في كثير من الأحيان حسابات المصلحة الفرنسية أكثر مما تحكمها روح الشراكة المتوازنة؛ ففرنسا التي لم تُخفِ حنينها إلى فضائها الاستعماري السابق، تعاملت مع المغرب أحيانا بمنطق الامتياز التاريخي، سواء في الاقتصاد أو الثقافة أو النفوذ الإداري، ويكفي التذكير بأن حضور اللغة والثقافة الفرنسيتين في مفاصل الدولة لم يكن دائما نتيجة اختيار حر بقدر ما كان امتدادا لإرث استعماري.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما أن ملفات إقليمية حساسة، من بينها قضية الصحراء المغربية، والتوترات المزمنة في المنطقة المغاربية، تظل مرتبطة في الوعي الجمعي المغربي بإرث مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث أُعيد رسم المجال الجغرافي والسياسي لشمال إفريقيا في سياقات لم تكن دائما منصفة. إن خلق توترات حدودية، وتعقيد علاقات الجوار، وترك جراح مفتوحة.. كل ذلك يشكل جزءً من الذاكرة السياسية، التي لا يمكن القفز عليها عند الحديث عن “اتفاقات كبرى”.

اليوم، المغرب لم يعد ذلك البلد المحاصر بخيارات محدودة. لقد اختار تنويع شراكاته، والانفتاح على قوى دولية متعددة، في إفريقيا وأوروبا وآسيا والأمريكتين، واضعا مبدأ السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، ولم يعد مقبولا أن تُربط الشراكات بشروط تعجيزية، أو أن تُصاغ الاتفاقيات بروح الوصاية المقنّعة.

إن أي اتفاق يُراد له أن يكون “اتفاق قرن”،  ينبغي أن يستند إلى أسس واضحة:

اعتراف صريح بالماضي الاستعماري وتحمل تبعاته الأخلاقية؛ احترام كامل وغير مشروط للسيادة المغربية؛ توازن فعلي في المصالح الاقتصادية والاستثمارية، بعيدا عن منطق الاستنزاف؛ مراجعة نقدية للامتيازات التاريخية غير المتكافئة؛ إشراك الشعب المغربي ومؤسساته في مناقشة أي اتفاق مصيري يمس الحاضر والمستقبل.

فالشعوب ليست تفصيلا في معادلات السياسة الخارجية، بل هي أصل الشرعية ومصدر القرار، وأي اتفاق لا يحظى بقبول ووعي شعبيين، يظل هشا مهما زخرفت عناوينه.

إن المغرب لا يتحرك بعقدة تجاه أحد، لكنه أيضا لا يعاني من فقدان ذاكرة؛ فالذاكرة الوطنية ليست حنينا إلى الألم، بل درعا يحمي المستقبل من تكرار الأخطاء، وإذا كانت فرنسا تريد فعلا فتح صفحة جديدة، فالبداية لا تكون بتسويق إعلامي، بل بإعادة تعريف العلاقة على قاعدة الندية والاحترام المتبادل والإنصاف التاريخي.

أما المغرب، فقد تجاوز زمن الارتهان، ودخل زمن الاختيار الحر، ومن يريد شراكة معه، فعليه أن يقف أمامه لا فوقه.

فالتاريخ لا يُمحى بالبلاغة.. بل يُصحَّح بالعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى