الرأي

الرأي | عبقرية محمد ﷺ بين الشرق والغرب

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

 لم يقدم عباس محمود العقاد في كتاب “عبقرية محمد” سيرة سردية تقليدية للأحداث التاريخية فقط، بل دراسة تحليلية ونفسية تثبت أن عظمة النبي محمد ﷺ لم تكن مجرد معجزة غيبية، بل كانت “عبقرية بشرية” فذة تجلت في كافة جوانب حياته، مما يجعله أعظم شخصية عرفها التاريخ.

وتميزت محاور العبقرية المحمدية في أن النبي ﷺ امتلك كل مقومات العظمة البشرية الفطرية، من رجاحة عقل، وصدق، وقوة إرادة، وهي صفات هيأته ليكون وعاءً للرسالة الخاتمة، كما تجلت في إيمانه المطلق برسالته، وصبره الأسطوري على الأذى، وقدرته على استخدام المنطق والبلاغة لتغيير عقائد مجتمع شديد التعصب لوثنيته.

تتمة المقال تحت الإعلان

ووضح الكتاب أن حروب النبي ﷺ كانت دفاعية بحتة، واتسمت بابتكار خطط غير مسبوقة عند العرب كمعركة “الخندق”، مع حرص شديد وفريد من نوعه على تقليل الخسائر البشرية في صفوف أعدائه قبل أصحابه.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي قصة الحباب بن المنذر بن الجموح فيما رواه ابن إسحاق، خير دليل على تسبيق حكمة ذوي الاختصاص على دكتاتورية القائد وجعل الأمر شورى بين المؤمنين وتفضيل الرأي الحكيم حيث يروى قول الحباب :يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل (أمنزلا) أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله، ليس هذا المنزل فانهض بالناس، حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء (ثم نقاتل القوم) فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد أشرت”.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما العبقرية السياسية، فقد ظهرت براعته في “وثيقة المدينة” التي نظمت التعايش السلمي بين طوائف مختلفة (مسلمين، ويهود، ومشركين)، وفي إبرامه للمعاهدات وقراءته العميقة للمستقبل، وأبرزها “صلح الحديبية” الذي كان انتصارا سياسيا كبيرا رغم رفض أصحابه لظاهره في البداية.

وبالنسبة للعبقرية الإدارية، فقد امتلك النبي ﷺ ناصيتها بفراسة استثنائية في معرفة معادن الرجال، فكان يوجه كل صحابي للمكان الذي يبدع فيه (خالد للقيادة، وحسان للشعر، ومعاذ للقضاء)، مما بنى دولة قوية بكفاءات متخصصة سبقت مبدأ فصل السلط الذي تتبجح به الديمقراطيات الحديثة.

أما طبائعه الإنسانية والأسرية، فقد كسر العقاد صورة القائد الصارم، ليبرز الجانب الإنساني الدافئ، حيث كان زوجا يتفهم طبائع النساء ويدير بيته بحكمة وعدل، وصديقا شديد الوفاء لأصحابه وزوجته خديجة حتى بعد وفاتها.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتِ؟ قالت: أنا جثَّامةُ المُزنيَّة، فقال: بل أنتِ حسَّانةُ المُزنيَّة، كيف أنتُم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتُم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله، فلما خرجت قلتُ: يا رسول الله تُقبِلْ على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإنَّ حُسْن العهد من الإيمان” رواه الحاكم.

وليس العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهم، وحدهم كمفكرين وكتاب عرب ومسلمين الذين فصلوا هذه العبقرية، فهذا الشاعر والروائي الفرنسي العظيم فيكتور هوغو خلّد نظرته للنبي محمد في قصيدة ملحمية بديعة ضمن ديوانه “أسطورة القرون” (La Légende des siècles)، وحملت القصيدة عنوان: “العام التاسع للهجرة” (L’An neuf de l’Hégire)، حيث ركز هوغو على الأيام الأخيرة في حياة النبي، واصفا إياه بأنه كان يملك هيبة تجعل الأسود تهابه، ومع ذلك كان يحلب شاته، ويخيط ثوبه بنفسه، ويجلس على الأرض مساويا لنفسه بأفقر الناس، وأبرز في قصيدته جانبا من تعاليم النبي لأصحابه قبل وفاته، وكيف كان يوصيهم بالرحمة، والعدل، وعدم الإكراه في الدين، مصورا إياه كأب روحي حانٍ ومفكر عميق أدرك أسرار السماء والأرض.

وهذا ألفونس دي لامارتين، (المقاييس الثلاثة للعظمة البشرية) في كتابه: “تاريخ تركيا”، وضع ميزانا عبقريا لقياس عظمة الرجال، ليختبر به شخصية محمد عليه السلام، وقال: “إذا كانت عظمة الهدف، وقلة الوسائل، والنتائج المذهلة هي المقاييس الثلاثة لعبقرية الإنسان، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيا من عظماء التاريخ الحديث بمحمد؟”.

وهذا يوهان فولفغانغ فون غوته، الشاعر والفيلسوف الألماني، الذي أُعجب بالإسلام لدرجة أنه ألف ديوانه الشهير: “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي”،

أبدى انبهارا شديدا بالقرآن الكريم، ورأى في محمد النموذج الأسمى للاتصال بين الخالق والمخلوق.

وجورج برنارد شو: الكاتب الإيرلندي الحائز على جائزة نوبل، قال في كتابه: “الإسلام الأصيل” (The Genuine Islam): “لو تولى رجل مثل محمد طغيان العالم الحديث، لنجح في حل مشاكله بطريقة تجلب له السلام والسعادة.. لقد درست هذا الرجل الرائع، وفي رأيي يجب أن يُدعى منقذ البشرية”.

وويل ديورانت، المؤرخ الأمريكي صاحب موسوعة “قصة الحضارة”، والذي استنتج بعد دراسة مستفيضة لتاريخ الأديان والشعوب، أن “محمدا عليه السلام كان أعظم العظماء أثرا في التاريخ”، لأنه رفع مستوى الحياة الأخلاقية والروحية لأمته بطريقة لم يسبقه إليها أحد.

هذه الشهادات تؤكد أن الأثر الذي تركه محمد عليه السلام يتجاوز الانتماء الديني ليصبح تراثا إنسانيا عالميا يُلهم العقول الباحثة عن الحقيقة والإنصاف.

وأية حقيقة أجل من قوله تعالى في سورة الأنبياء: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))، رحمة شاملة للإنس والجن، المؤمن والكافر، والكون بأسره صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى