الرأي

الرأي | مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية بين الواقعية السياسية والتحديات النفسية

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

 لا أحد يشك اليوم في أن موضوع الصحراء المغربية يوشك على طي صفحته بصفة نهائية، ولعل اللقاء الأخير الذي عقد في مدريد بين الأطراف المعنية بالملف، المغرب والبوليساريو بشكل خاص، والجزائر وموريتانيا، تحت إشراف الولايات المتحدة، هو أولى بوادر الطي النهائي لهذه الصفحة، وبالتالي وضع نقطة نهاية للنزاع المفتعل الذي عمّر لنصف قرن ونيّف، والحقيقة لم تكن الأمور لتصل لهذا المستوى وهذه الانعطافة التاريخية التي عرفها الملف، لولا المجهودات الكبيرة والمظنية التي تبذلها الدبلوماسية المغربية بقيادة ملك البلاد، الذي أعاد للمغرب توهجه وألقه بصياغة تحالفات استراتيجية صبّت في مجملها في مصلحة القضية الوطنية، وبالتالي تم كسب نقط كثيرة في هذا الإطار كان آخرها القرار الأممي 2797، الذي اعتبر الطرح المغربي بمنح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية هو المرجع والمستند والأرضية الوحيدة التي يمكن أن تتمخض عنها باقي الإجراءات والممارسات القانونية والعملية لتثبيت هذا النوع من الحكم وتنزيله في هذه الأقاليم.

فلسفة مبادرة الحكم الذاتي والشكل الذي سيأخذه والتدابير القانونية والإدارية، والاختصاصات والصلاحيات التي ستمنح بموجبه للهيئات والمؤسسات التي ستجسده على أرض الواقع، وكل المسائل الأخرى السيادية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمالية.. لا أعتقد أن المغرب تخفى عليه كل صغيرة وكبيرة بهذا الخصوص، خاصة إذا علمنا أن الوثيقة التي أعدّها بهذا الشأن تناهز أربعين صفحة، كلها تتضمن تفاصيل ومبادئ ومقومات أجرأة الحكم الذاتي، لكن رغم جدية وصلابة كل هذه التفاصيل والمبادئ، فهذا لا يعني أن الطرف الآخر المتمثل في الجبهة أولا والجزائر ثانيا، سيقبلا بها بكل سهولة وبساطة، وانتهى الأمر؛ فالطرف الرئيسي في القضية، إذا سلّمنا جدلا أنه قبل بالحكم الذاتي بصفة رسمية بالصيغة المغربية، علما أنه لا زال يناور هنا وهناك بدعم من الراعي الرسمي له، فإنه سيعمل جاهدا على انتزاع الكثير من الحقوق والمكتسبات، ما يعني أنه لا بد أن تكون هناك تنازلات من كلا الطرفين في قضايا عديدة، وهنا مربط الفرس، فكيف يمكن للمغرب أن يتصرف إذا رفع هذا الطرف السقف عاليا في مطالبه، وتجاوزت ما هو مسموح به فيما هو مسطر في الوثيقة المغربية، أو حتى ما هو مسموح في التجارب المعروفة في هذا المجال؟ نحن لا نشك البتة في حنكة المفاوضين المغاربة، وكيف يمكن لهم تذويب الخلافات إلى حدها الأدنى، لكن لا يجب أن نتصور أن ذلك سيكون بالسهولة التي نتخيلها، ومن المؤكد أن ذلك ستتخلله عوائق وعراقيل كثيرة تحتاج لوقت وآليات قمينة لتجاوزها.

صحيح أن الموقف الأمريكي والضغط الذي يمارسه على الجبهة والجزائر قد يساعد بشكل أو بآخر على جسر الهوة وردمها وتقريب وجهات النظر، وجعل هذه الأطراف تقلّص طموحاتها شيئا فشيئا حتى تتوافق وتتساوق ومعطيات المقترح المغربي، أضف إلى ذلك أن اللقاء المقبل سيكون في العاصمة الأمريكية وبرعاية واشنطن دائما؛ كلها مؤشرات تدل أولا على حزم الإدارة الأمريكية في إنهاء هذا الصراع قبل نهاية ولاية دونالد ترامب، وثانيا اعتماد المقترح المغربي كحل وحيد وأوحد لحل هذا النزاع، وثالثا إلزام الجبهة بكل مقتضياته ومضامينه، في ظل طبعا بعض التنازلات بين الطرفين الرئيسيين، لكن دون المساس بالجوهر طبعا، ودون الخروج عن الإطار العام الذي يرسمه هذا الحل.

تتمة المقال تحت الإعلان

الذي يثيرني في هذا الموضوع حقا، ليس حول كيفية تنزيل المقترح المغربي الجاد والواقعي عاجلا أو آجلا، فالكل يجمع على أن المغرب متسلّح بكثير من المقومات القادرة على تحقيق ذلك، فالمسألة محسومة إلى أبعد الحدود والقضية قضية وقت ليس إلا، الذي يثيرني هو كيف يمكن أن تتقبل الجبهة المزعومة وصنيعتها الجزائر الأمر ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

فالإشكال الذي سيطرح من دون شك سيكون نفسيا بامتياز، كيف يمكن استساغة هذا الانتقال من حلم تكوين دويلة صغيرة منفصلة إلى الانضمام إلى الوطن الأم؟ كيف يمكن تقبّل تبخر الحلم الذي دام نصف قرن وأنفقت عليه الملايير، وتم من أجله خوض حروب كبيرة، ولم ينتج إلا السراب؟ كيف يستطيع العائدون الاندماج في المجتمع المغربي، وينصهرون في ثقافته من جديد؟ كيف يمكن أن يتعامل سكان الصحراء مع الوافدين الجدد في المدرسة وفي الحي وفي الشارع؟ أنا لا أتصور المسألة بسيطة، هذا هو الأهم وهذا ما يبدو الاشتغال عليه ضروريا، قد يتم اعتبار ذلك أمرا سابقا لأوانه، لكن لا بد من التهييء المبدئي والقبلي لتقبّل الوضع، ولتقبّل هذا التحول العميق الذي دون شك سيمس الكثير من مناحي حياة القادمين والوافدين من هناك، فلا أعتقد أن سكان المناطق الجنوبية سيدخرون جهدا في استقبالهم استقبالا جيدا، خاصة ونحن نعلم أن هناك روابط قبلية ودموية تربط سكان الصحراء المغربية مع الكثير من المحتجزين في تندوف، ولهذا لا أعتقد أنه سيكون هناك إحساس وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، يكفي أن يعبّر هؤلاء عن رغبتهم الأكيدة التي لا تشوبها شائبة ويعلنون استعدادهم الاندماج التطوعي في المجتمع الصحراوي بعيدا عن أي هواجس أو خلفيات يمكن أن تنغص هذا الالتحام المنشود، وبالتالي سيكون الاندماج سهلا وسلسا، خاصة إذا استحضرنا التقاطعات الثقافية والاجتماعية والدينية بينهم، وحتى الدولة بمختلف أجهزتها لا شك أنها لن تتسامح أو تتساهل مع أي شكل من أشكال التضييق أو التنقيص من اعتبار هؤلاء الوجودي والاجتماعي.

كل ما نتمناه في الختام هو طي هذا النزاع نهائيا وفتح باب التعايش السلمي سواء مع الصحراويين القادمين من تندوف أو مع دول الجوار، لما له مصلحة شعوب المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى