الرأي

الرأي | “الباركينغ”.. حل فردي لخلل جماعي 

عبد الرفيع حمضي
بقلم: عبد الرفيع حمضي

 قبل أيام، حكى لي صديق، إطار بإحدى المؤسسات العمومية بالرباط، عن “وقفة احتجاجية” شارك فيها مع عشرات من زميلاته وزملائه، وحين سمعت كلمة “وقفة”، اشتغل في ذهني قاموس الوظيفة العمومية تلقائيا: الترقية، التعيينات، الاقتطاعات، التعويضات، المناخ الاجتماعي، وتجبر بعض المدراء.. قلت في نفسي: ملف مطلبي جديد، والأسباب معروفة.

لكن الرجل ابتسم وكأنه يختبر قدرتي على التصديق، وقال: “لا، نحن نحتج لأننا لم نعد نجد أين نركن سياراتنا. لا مكان، ولا حل، وعلى الإدارة أن تتحمل مسؤوليتها”، توقفت لحظة. ليس لأن المطلب يبدو بسيطا، بل لأن رمزيته ثقيلة. فأن تصل الاحتجاجات إلى “الباركينغ”، فذلك يعني أن المدينة بدأت تتكلم لغة أخرى، لغة التفاصيل التي كانت تبدو صغيرة قبل أن تتحول إلى اختناق يومي. فنحن لا نتحدث عن مساحة إسفلت، بل عن معنى المدينة، وعن علاقة الفرد بالمؤسسات، وعن ثمن الزمن المهدور، وعن انتقال الاحتقان من السياسة الكبرى إلى تفاصيل العيش اليومي.. ساعتها مر بخاطري سؤال عبثي: هل كانت منظمة العمل الدولية، وهي تؤسس سنة 1919 لمنطق العدالة الاجتماعية في العمل، تتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه موقف السيارة أحد عناوين الاحتجاج ؟

للتأكيد، فالأمر يحدث في الرباط تحديدا، مدينة الأنوار التي تعرف منذ سنوات تحولا عمرانيا رفيع المستوى: ترامواي، تهيئة، أوراش كبرى، حافلات، واجهات جديدة، وشبكة مواقف منظمة مقارنة بمدن أخرى، ومع ذلك، بدأت الرباط، مثل كل مدينة تتجه نحو شكل العاصمة الكبرى، تعيش مشاكل باريس ولندن وأمستردام، من اختناق المرور إلى صعوبة الركن، فالوصول إلى وسط المدينة يحتاج لمعركة يومية، وهنا بالضبط نفهم أن التمدن لا يعني الجمال فقط، بل يعني أيضا ضغطا متزايدا على البنيات التحتية، وعلى قدرة المدينة على تنظيم نفسها.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومع ذلك، لا يمكن فهم هذه الوقفة دون التوقف عند حقيقة بسيطة؛ فعدد السيارات في المغرب يتزايد بشكل لافت، ووفقا لمعطيات المنظمة الدولية لمصنعي السيارات (OICA)، فالمغرب جاء في المرتبة الرابعة إفريقيا بمعدل 112 سيارة لكل 1000 شخص، تسبقه ليبيا التي تتصدر القارة بمعدل 490 سيارة ثم جنوب إفريقيا بـ 176 سيارة، والجزائر بـ 144 سيارة، كما أن عدد المركبات بالمغرب تجاوز 4.5 ملايين سيارة سنة 2024.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات تقنية، إنها مؤشرات على تحول اجتماعي؛ فالسيارة لم تعد امتيازا فئويا محدودا، بل أصبحت جزء من نمط عيش يتوسع بسرعة، وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: لماذا أصبحت السيارة أولوية عندنا قبل السكن حتى ؟

جزء من الجواب مرتبط بالواقع: صعوبة التنقل، ضغط الزمن، ضعف الراحة داخل النقل العمومي في بعض المسارات، وتراجع الإحساس بالكرامة في التجربة اليومية، فالسيارة هنا ليست رفاهية، بل حلا فرديا لمشكلة عمومية، لكن هناك أيضا بعدا آخر أكثر حساسية، لكون السيارة تحولت إلى رسالة اجتماعية، ومن هنا نفهم لماذا تشتد الرغبة فيها حتى عندما تكون غير عقلانية اقتصاديا، لأن المجتمع لا يحاسب الناس دائما على توازنهم المالي، بل يحاسبهم على صورتهم.

ثم هناك بعد ثالث يفسر إقبال النساء على السيارات الخاصة، فالمسألة لا تتعلق فقط بالراحة، بل بالأمن، فالمرأة في المدينة لا تبحث عن وسيلة نقل فحسب، بل عن مساحة تحميها من الانتظار الطويل، ومن الاكتظاظ، ومن هشاشة الفضاء العام. وبذلك أصبحت السيارة منطقة أمان متنقلة، ولو بثمن مرتفع.

وليس هذا المشهد جديدا تماما على المدن المغربية، حتى وإن تغيرت واجهته؛ فمن يتذكر السنوات الأخيرة يعرف أن “معركة الباركينغ” كانت حاضرة بقوة في الحياة اليومية، ولكن بشكل آخر: حراس السيارات أو ما يسمى “أصحاب الجيلي الأصفر”، هؤلاء لم يكونوا مجرد أفراد يبحثون عن رزق، بل تحول بعضهم في عدد من الأحياء إلى سلطة غير مكتوبة، تفرض قانونها الخاص على الشارع، وتعيد تعريف الفضاء العام بمنطق “الإتاوة” بدل الخدمة.

اليوم، تعود المعركة بصيغة أخرى: موظفون يحتجون، ومؤسسات تتفرج، ومدينة تتوسع، وسيارات تتكاثر، ووسط حضري يصبح الدخول إليه اختبارا يوميا للصبر والأعصاب.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من “أين سنركن سياراتنا؟”. إنه سؤال المدينة نفسها: أي مدينة نريد؟ ولمن؟ وبأي منطق، منطق السيارة أم منطق الإنسان؟ لأن المدينة التي لا تشرك سكانها في حل مشاكلها، ستجد نفسها دائما أمام احتجاجات تبدو صغيرة، لكنها تكشف أزمة أكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى