الرأي | مرافعة جوليان بقلم ستندال في “الأحمر والأسود”


لم يقع إجماع في تاريخ الأدب والقانون على الإشادة بمرافعة ورواية مثلما وقع لمرافعة ستندال في رواية “الأحمر والأسود”؛ فهذا ليون تولستوي يقول: إن ستندال هو أول من وصف “خفايا النفس البشرية” بصدق بعيدا عن المثالية الزائفة. فتولستوي تأثر بأسلوب ستندال في تحليل الدوافع البشرية لدرجة أنه قال: “أدين لستندال بالكثير في فهمي لكيفية بناء الشخصيات”.
وهذا فيودور دوستويفسكي يرى في شخصية جوليان سوريل نموذجا أوليا لبطله “راسكو لنيكوف” في رواية “الجريمة والعقاب”.
كان يرى أن ستندال برع في تصوير “الإنسان المتمرد” الذي يحاول تجاوز قدره الاجتماعي من خلال القوة الذهنية والطموح، حتى لو أدى ذلك إلى ارتكاب جريمة.
وهذا أونوريه دي بلزاك، وهو المعاصر لستندال، كان من أوائل من أدركوا عبقريته، يكتب مقالا طويلا أشاد فيه بالرواية، ووصف ستندال بأنه “رسام بارع للنفوس”، معترفا بأن الرواية تعكس بدقة متناهية روح العصر الفرنسي، واعتبرها “عملا عظيما يفهمه الصفوة”.
أما فريدريك نيتشه، الذي لم يمدح الكثير من الأدباء، لكنه عشق ستندال، فقد قال عنه: “ستندال هو آخر عالم نفس فرنسي عظيم”، حين اعتبر أن جوليان سوريل يجسد “إرادة القوة” ورفض القيود الأخلاقية الضعيفة التي يفرضها المجتمع، ووصف اكتشافه لأعمال ستندال بأنه كان “صدفة سعيدة” في حياته.
أما أندريه جيد، الأديب الفرنسي الحائز على نوبل، فقد وضع رواية “الأحمر والأسود” ضمن قائمة أعظم عشر روايات فرنسية على الإطلاق؛ كان يرى أن “جفاف” أسلوب ستندال هو سر قوته، لأنه يترك العاطفة تخرج من الأحداث والمواقف لا من الزخرفة اللغوية.
وهذا إرنست همنغواي، ذكر في مذكراته “وليمة متنقلة”، أنه كان يذهب إلى مكتبة “شيكسبير آند كومباني” في باريس، ليستعير كتب ستندال، إذ كان معجبا بـ”الوضوح العسكري” في كتابته، حيث كان ستندال يكتب بأسلوب يشبه “قانون نابليون” (Code Civil)في دقة لغته وبساطتها.
تُرى لماذا أجمع هؤلاء الكتاب على عظمتها ؟
تكمن العظمة في نظرهم في هذه النقاط:
- الحداثة: لم يكن يكتب بأسلوب عصره الرومانسي المليء بالدموع والوصف الطويل، بل كان يكتب “سيكولوجيا” خالصة.
- البطل الإشكالي: جوليان سوريل ليس بطلا طيبا ولا شريرا، بل هو إنسان حقيقي بطموحه، نفاقه، وعزة نفسه.
- النقد الاجتماعي: الرواية ليست مجرد قصة حب، بل هي “تشريح” للمجتمع الفرنسي وتناقضاته.
تدور أحداث “الأحمر والأسود” حول جوليان سوريل، شاب طموح وذكي وابن نجار فقير، فهو يعيش في حقبة “عودة الملكية” في فرنسا، ويجد نفسه ممزقا بين طريقين للنجاح: الجيش (الذي يرمز له باللون الأحمر) والكنيسة (التي يرمز لها باللون الأسود)، ولأن زمن نابليون والبطولات العسكرية قد ولى، يختار “الأسود” كطريقة للتسلق الاجتماعي.
يعمل جوليان مدرسا خصوصيا لأبناء “السيد دي رينال”، ويقيم علاقة محرمة مع “السيدة دي رينال” ليس حبا فقط، بل كنوع من الانتقام الطبقي وإثبات الذات. لاحقا، ينتقل إلى باريس ليعمل سكرتيرا لـ”الماركيز دي لا مول” ويوقع ابنته “ماتيلد” في حبه.
وبينما كان جوليان على وشك الزواج من ماتيلد وتحقيق حلمه في النبل، تصل رسالة من السيدة دي رينال (بتحريض من رجل دين)، تفضح ماضيه، وهي غيرة تظل كامنة في قلب كل امرأة متزوجة سقطت في مكامن علاقة محرمة وتظل عاكفة على إرادة تملك من أحبته بكافة الوسائل، لكنه في لحظة اندفاع، يحاول جوليان قتلها بعدما أفسدت علاقة حبه الثاني وفضحت ماضيه مع أب الزوجة التي حملت منه سفاحا – وهي ابنة أحد النبلاء المتشبثين بلقب أحفادهم وأبنائهم وبسلالة عرقهم النبيل ودمائه التي لا تجري في عروق جوليان – مما يؤدي إلى سجنه نتيجة محاولة قتل حبه الأول التي غفرت له الجريمة، ومحاولة حبه الثاني استدرار عطف القضاة والمحلفين، وكاد أن يفلت من الإعدام لولا مرافعته الشهيرة، بل مطالبة المحكمة بإعدامه، لكن ما ورد في هذه المرافعة هو أخطر شيء في تاريخ المرافعات القضائية .
في المحكمة، يلقي جوليان خطابا شهيرا يهاجم فيه نفاق المجتمع الطبقي، ويُحكم عليه بالإعدام، ليموت بطلا تراجيديا رفض الانصياع لقوانين مجتمع لا يعترف إلا بالمال والنسب، حيث تفوه وهو الكاتب الفصيح القارئ للاتينية ولأمهات الكتب بما يلي: أيها السادة المحلفون؛ إن الرعب من الازدراء، الذي كنت أعتقد أنني أستطيع تحديه في لحظة الموت، هو ما يدفعني للتحدث؛
أيها السادة، ليس لي شرف الانتماء إلى طبقتكم، فأنتم ترون في شخصي فلاحا تمرد على ضعة قدره.
أنا لا أطلب منكم أي رأفة، فالموت ينتظرني وسيكون عادلا. لقد حاولت الاعتداء على حياة المرأة الأجدر بكل احترام وتبجيل.
لقد كانت السيدة دي رينال بالنسبة لي بمثابة الأم. جريمتي بشعة، وكانت مع سبق الإصرار، لذا فقد استحققت الموت أيها السادة المحلفون، ولكن، حتى لو كنت أقل ذنبا، فأنا أرى أمام عيني رجالا لن يتوقفوا عند ما قد يستحقه شبابي من شفقة، بل سيريدون أن يعاقبوا من خلالي، وأن يثبطوا إلى الأبد، تلك الطبقة من الشباب الذين وُلدوا في طبقة دنيا، والذين سُحقوا تحت وطأة الفقر، لكنهم نالوا حظا من التعليم الجيد وتجرأوا على الاختلاط بما يطلق عليه كبرياء الأغنياء: المجتمع.
هذه هي جريمتي الحقيقية، وسيتم عقابي عليها بصرامة أشد، لأنني في الواقع لا أُحاكم من قبل أقراني، لا أرى على مقاعد المحلفين فلاحا واحدا نال ثروته بعرق جبينه أو عمله، بل أرى فقط برجوازيين حانقين.
من خلال هذه المرافعة يرتقي جوليان من “مجرم طموح” إلى “شهيد اجتماعي”. لقد اختار أن يموت لكي يثبت أن صعوده لم يكن زائفا، وأن كراهيته للنظام الطبقي كانت صادقة.
الخطاب هو الصرخة الأخيرة لـ”الإنسان المتفوق” (بالمفهوم السيكولوجي) الذي يرفض أن يُحكم عليه من قبل أناس يراهم أدنى منه أخلاقيا وروحيا وإن كانوا أعلى منه طبقيا.
هذه المرافعة تطرح واقعا اجتماعيا لمفهوم العدالة والقيم الروحية والأخلاقية والاستقلالية والحياد في من يصدرها من قضاة ومحلفين.



