الرأي

الرأي | وداعا عبد الهادي الهارب من الهوى

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

 آثر أن يرحل عنا واحد من أواخر أسماء اللوحة البديعة الزاهية التي شكلت فسيفساء الفن المغربي الأصيل من العمالقة: عبد الوهاب الدكالي، أحمد البيضاوي، المعطي البيضاوي، بوشعيب البيضاوي، الماريشال قيبو، عبد القادر الراشدي، إسماعيل أحمد، محمد فويتح، أحمد الغرباوي، وإبراهيم العلمي، عبد السلام عامر، محمد الحياني، عبد الصادق شقارة، بوجميع، باطما، عمر السيد، الحاج يونس، عبد العاطي أمنا وثلاثيته، نعمان لحلو، بوزبع، لوكيلي، حميد الزاهر، نعيمة سميح، بهيجة إدريس، عزيزة جلال، سميرة سعيد، حسن القدميري، الطيب لعلج، فتح الله لمغاري، الطيب الصديقي، الطاهر جيمي، ميغري، نعيمة المشرقي، والأخوان القدميري أحمد ولحبيب، الداسوكين، الزعري، عبد الرؤوف، عبد رزاق حكم، والتونسي، عبد القادر مطاع، وسعد الله عزيز، البسطاوي، عبد الجبار الوزير وبلقاس وهلال عبد اللطيف، والدغمي وحبيبة المذكوري وأمينة رشيد، عبد الله شقرون، علي الحداني، عبد القادر وهبي، بن إبراهيم، مليكة العماري، محمد الجم ونزهة الركراكي وعاجل وفاطمة وشاي وفهيد، وكثير من رواد الأغنية المغربية الأصيلة، وفرق ومجموعات أولاد البوعزاوي والغالية وبنت الحسين، وكتاب وشعراء وممثلين ومسرحيين وملحنين جاؤوا بعد هذا الجيل لا يتسع المقال لذكرهم، فليعذروا قلمي وذاكرتي على عدم ذكر بعضهم وهم أولى بالتذكر والكتابة عنهم أحياء وأمواتا.

رواد وعمالقة أثروا الساحة الفنية بإبداعاتهم التي كونت الذوق الفني النظيف والراقي في بلادنا بدون منازع في العقود الستة الماضية، وقد كان جيلنا جيل ما بعد الاستقلال، محظوظا بأن يعاصر صغيرا وكبيرا هذه المنارات المضيئة، وأن يعلق على جدران ذاكرته هذه اللوحة المتكونة من هذه الفسيفساء النادرة حتى إذا رحلوا عنا اختلت تلك اللوحة ولم تبق منها إلا ذكريات تداعب ذاكرتنا ولا ندري أيها أقرب منا كما قال الشاعر الكبير أحمد رامي.

فعلا الأستاذ عبد الهادي بلخياط ها أنت برحيلك في هذا الشتاء القارس الفظيع تنقص من تلك اللوحة ابتسامتك المعبرة، فتختل هذه اللوحة من جديد، ليس لأنه لا توجد صورة ستعوضها فقط، ولكن لأن المعالي قليلة الأولاد ولأن الأرحام أصبحت شبه عقيمة من أن تجود على الإنسانية بعبقريات وأصوات ومبدعين في الفن الراقي المهذب للنفوس والمشاعر، الباني لحضارات التسامح والتعايش، الموحد للديانات السماوية، المتطلع للوطنية الصادقة والمعبر عن آلام وأفراح النفوس والقادر على إخراجها من قوقعة الماديات إلى سماوات الروحانيات ..

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد عشقنا الفن كما عشقه نجيب الكيلاني عندما قال:

تتمة المقال تحت الإعلان

عشقت الفن معراجا إلى غاياتنا الشما

               أردد فوق قيثاري نشيدا يشعل الهمة

يذكرنا بماضينا ويجلو عنه ما غما

               ويوقظ هاجع الآلام كي لا نقرب النوم

لقد غنيت “نشيد العرش” عام 1962 احتفاء بأول سنة يعتلي فيها العرش المغفور له الحسن الثاني، وغنيت “رموش”، “الهاتف”، “الميعاد”، “القمر الأحمر”، “الشاطئ”، و”الأمس القريب”، “البوهالي”، “قطار الحياة”، “المنفرجة”، “ما منك جوج” والقائمة طويلة… ومثلت أسوة بمحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم في السينما أفلاما عام 1973 بعنوان “سكوت.. اتجاه ممنوع” والثاني “دنيا غرامي” بلبنان، والثالث عام 1979 بعنوان “أين تخبئون الشمس”، وخرجت تبحث عن الشمس كما بحث عنها التبريزي وجلال الدين الرومي ووجدتها في الدعوة إلى خالقها.

وكدنا نعيب عليك ذلك لأنك تركتنا محرومين من تلك الشمس التي كنت تضيئ بها كياننا الحسي لتخرجه من ظلمات الحياة إلى ربيعها وشاطئها وقمرها الأحمر وواديه الرقراق مع عبد الرفيع الجواهري، الزميل صاحب كلماتها وحكيت لي نفس الحكاية التي أكدها لي شاعرها يوما في مراكش عندما أهديتها للموسيقار محمد عبد الوهاب رفقة المرحوم عبد السلام عامر بمنزله، فاستمع إليها وأعجب بها كعمل مغربي أصيل شعرا وموسيقى ولحنا وصوتا، وحمل الأسطوانة إلى خزانته بيده قائلا: “إنها أسطوانة جديرة بالاحتفاظ بها في خزانة محمد عبد الوهاب”.

لا زلت أذكر مكالمتك الأخيرة وأنت تسأل عني كعادتك واستأذنتك في أن أكتب عنك بعدما اطّلعت عن منشوراتي في “الأسبوع الصحفي”، وها أنا أوفي بوعدي لكنك لن تقرأ ما جاد به قلمي.

لا زلت أذكر ورمضان الكريم قد اقترب، ذلك الفطور الرمضاني الذي كنت فيه مرارا جليس شبابي منذ ما يزيد عن أربعة عقود وقد شرفتني إحدى المرات والتقيت في منزلي رفقة حرمك الكريمة بأحد المستشارين الزملاء أساتذتي، وأثناء الفطور كان ذلك القاضي الوديع صاحب الطرائف الجميلة من الذين يغضون الطرف في الموائد المختلطة، فكان لا ينظر إلينا طول الفطور من شدة الحياء ولما صاحبته لمسجد الوازيس، الذي كنت تؤذن فيه وعند مائدة العشاء قال لنا: سبحان الله إن لصاحبكم صوتا خشع له كل المصلين.

وكم ابتسمت تلك الليلة عندما قال لك ذلك الشيخ صاحب الطرائف: لا أدري أين سمعت صوتك ولا أين رأيت وجهك قبل هذا؟ وأجبته مبتسما: الحمد لله أن لقاءنا يا أستاذ كان في بيت الله بدل المحاكم.

وها أنت تلتقي بالله بعد هذا الزمان وأنت تشدو بـ”المنفرجة “:

فهناك العيش وبهجته

        فلمبتهج ولمنتهج

فَهُجِ الأعمال إذا ركدت

        فإذا ما هُجت إذن تَهُجِ

ومعاصي الله سماجتها

            تزدان لذي الخلق السمج

ولطاعته وصباحتها

              أنوار صباح منبلج

رحمك الله وهنيئا لك العيش هناك وبهجته يا منتهجه كما شدوت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى