الرأي

الرأي | الاتحاد الاشتراكي وسؤال المعنى في الزمن السياسي الراهن..

المصطفى المريزق
بقلم: المصطفى المريزق

على مسافة غير بعيدة من الاستحقاقات التشريعية المقبلة، أطمح إلى المساهمة في خلق نقاش اجتماعي وسياسي هادئ داخل الساحة الوطنية، وفتح حوار مسؤول مع مختلف الفاعلين السياسيين، كل من موقعه، وتكون البداية، عن قصد وقناعة، مع الأصدقاء داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خاصة وأن لي في هذا الحزب صديقات وأصدقاء كُثُر، من القيادات كما من القواعد، تجمعني بهم علاقات نضالية وإنسانية تمتد أحيانا لأكثر من أربعة عقود.

وأنا ألج اليوم عتبة العقد السادس من عمري، بعد مسارات وتجارب متعددة، حزبية وغير حزبية، ما زلت أؤمن بأن لهذه العلاقات معنى، وبأنها يمكن أن تتحول إلى رصيد رمزي وفكري يُستثمر في خدمة النقاش العمومي. لقد واصلت، ولا أزال، مسارات أخرى لا تنتمي بالضرورة إلى التنظيم الحزبي، لكنها تؤسس رؤيتها انطلاقا من فكر متنور، متحرر من القيود، ومن قوالب التنظيم الجامدة، ومن إكراهات النسب والانتماء الشكلي.

اليوم، أرغب في توظيف مجمل هذه التجارب والمسارات للمساهمة في فتح نقاش صحي ومسؤول حول مستقبل الاتحاد الاشتراكي؛ هذا الحزب الذي تربّت في أحضانه أجيال متعاقبة، ولا تزال استمراريته حاضرة بتراثه النضالي الغني، وبرموزه التي لم تمت، وبأطره التي علّمتنا قواعد اللغة والنحو في الإعدادي، وقيم الوطنية والمواطنة في الثانوي، ودروس الاقتصاد والسوسيولوجيا في الجامعة، كما علمتنا قواعد العمل النقابي والمدني والحقوقي في فضاءات متعددة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ما يهمّنا اليوم ليس اجترار الانتقادات ولا تصفية الحسابات مع هذا الزعيم أو ذاك، لأن ذلك لم يعد مجديا، فالهدم سهل، أما البناء فصعب وشاق؛ ما يعنينا هو كيف يمكن أن نفيد، برأينا وتجربتنا، حتى يظل الاتحاد قوة اقتراحية حقيقية، نافعة لبلدنا ووطننا وشعبنا ولمؤسساتنا ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

فبلادنا اليوم في حاجة ماسة إلى أحزاب قوية، وزعامات محترمة، ومؤسسات حزبية ديمقراطية، تنتج برامجها وتصوراتها من صلب هويتها، وتملك القدرة على إقناع أعضائها أولا، حتى يمتد الأثر إلى عموم المواطنين.

تجربة “قادمون وقادرون” رغم بساطتها، منحتني دروسا عميقة لم أستطع بعدُ صياغتها وتنزيلها بالكامل، ورغم ما لحقها من سبّ وشتم ونعوت مجانية، كان آخرها ما كتبه أحد الكُتّاب المغاربة في كتابه(…)، حيث نُعِتَت بالشعبوية، وبمحاولة استنساخ تجربة بوديموس الإسبانية، وبالفشل بدعوى أنها مدفوعة من أحد الأحزاب.. وهي اتهامات تعكس الوهم والأساطير وتزرع الحقد باسم الشهرة و”الأستاذية”، فما كان أجدر بالنقاش هو أرضية هذه الحركة (حركة “مغرب المستقبل”) باعتبارها مشتلا للأحزاب، وللنقابات، ولجمعيات المجتمع المدني: أدبياتها، وبلاغاتها، وبياناتها العديدة، لا الأشخاص ولا النوايا المفترضة؛ فمثل هذا الأسلوب الشخصاني لا يسيء فقط إلى هذه المبادرات، بل يضر كذلك بالفعل الاجتماعي والسياسي وبمناضلاته ومناضليه.

ونحن نقترب من تنظيم زيارات ميدانية ولقاءات مباشرة مع عدد من قيادات الأحزاب السياسية في الأيام المقبلة، من أجل حوار صريح وهادئ، فإن غيرتنا الصادقة وانشغالنا العميق بمغرب الحاضر وأسئلة المستقبل هما ما دفعنا، شخصيا وجماعيا، إلى التفكير في هذه الانطلاقة الجديدة بمعية بعض الأصدقاء؛ انطلاقة نؤمن من خلالها بواجب الإسهام، المتواضع لكن الصادق، في دعم المسيرة الديمقراطية لبلادنا، تلك المسيرة التي ضحّى من أجلها المئات، ولا نزال جميعا نعيش على إرثها وتضحياتها.

لم يعد مقبولا اليوم أن نتراجع إلى الخلف، أو أن نكتفي بدور المتفرّج من أعلى المنصات، كما لم يعد مسموحا لنا، أخلاقيا وسياسيا، أن نستسهل النقد الفجّ والمسموم، أو أن نغذي الحقد الدفين والضغينة وتصفية الحسابات. لقد آن الأوان لنتعلم من أبنائنا، أولئك الذين لم يكونوا بالضرورة منخرطين في الأحزاب أو النقابات، لكنهم امتلكوا رؤى متقدمة للواقع، لأنها لم تكن مشبعة بالعداء والكراهية، بل مؤسسة على براغماتية هادئة وقيم إنسانية نبيلة.

إن تجربتنا داخل حركة “مغرب المستقبل”، المنبثقة عن مبادرة “قادمون وقادرون”، والتي جابت أزيد من خمسين منطقة عبر ربوع الوطن، انطلقت، ولا تزال، من قضية مركزية واحدة: قضية التفاوت الاجتماعي، وأقول ذلك بفخر واعتزاز: مناضلاتنا ومناضلونا، وأطر هذه المبادرة، ناضلوا حول هذه التيمة لأكثر من عشر سنوات؛ هذا مسار معروف، ولا يحتاج لكثير من الأدلة والبراهين.

فقضية التفاوت الاجتماعي ليست مجرد عنوان سياسي أو شعار ظرفي، بل هي القضية التي تولّد جل الأمراض المجتمعية؛ إنها بمثابة السرطان الذي يتسلل إلى مختلف أنسجة المجتمع: في التعليم، والصحة، والشغل، والسكن، والثقافة، والكرامة الإنسانية.. ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي جاد لا يمكنه القفز على هذه المعضلة أو تهميشها، ومن هذا المنطلق، نتمنى تصحيح هذا المسار، حتى يكون الحوار مع الاتحاد الاشتراكي مثلا، أو مع غيره، حوار احترام وتقدير، لتاريخه، ولشهدائه، ولأطره، ولقواعده.

إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليوم، ومعه أحزاب أخرى سنعود إليها لاحقا، أمام فرصة تاريخية حقيقية للنهوض بتجربته، وتجديد أدواره، واستعادة موقعه في قلب المجتمع، فالحزب بأطره الغنية، وبنخبه الفكرية والسياسية، قادر اليوم – وأقول ذلك عن قناعة – على أن يخلق نقاشا وطنيا موحّدا، تلتقي حوله مختلف شرائح المجتمع، بل إن الاتحاد، وقيادته الحالية، مدعوّان إلى رفع شعار واضح ومركزي: مناهضة التفاوت الاجتماعي، ليس كشعار انتخابي عابر، بل كأفق نضالي شامل، حقوقيا، اجتماعيا، اقتصاديًا، سياسيا، وثقافيا، وبيئيا كذلك، من هنا نرى أن الرهان الحقيقي ليس في استعادة الماضي، ولا في جلد الذات، بل في تحويل هذا الإرث النضالي إلى قوة اقتراح جديدة، قادرة على ملامسة هموم الناس، وإعادة الثقة في العمل الحزبي، وإحياء الأمل في السياسة بوصفها أداة للتغيير لا مجالا للصراع العقيم.

في النهاية، لا يمكن مقاربة الاتحاد الاشتراكي فقط باعتباره تنظيما سياسيا يعيش دورات صعود وضعف وتراجع، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية تشكّلت داخل تحولات المجتمع المغربي، وتأثرت بها كما أثرت فيها. من هذا المنظور، فإن الاستمرارية لا تعني الجمود أو إعادة إنتاج الأشكال نفسها، كما أن التجديد لا يعني القطيعة أو نفي الذاكرة، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل الإرث النضالي إلى طاقة مستقبلية، والذاكرة الجماعية إلى مشروع سياسي متجدد.

إن الاتحاد الاشتراكي مدعو اليوم إلى إعادة بناء ذاته انطلاقا من أسئلته الكبرى لا من ردود الفعل الظرفية؛ من هموم المجتمع الحقيقية لا من صراعات النخب؛ من منطق البناء التراكمي لا من منطق التبرير أو جلد الذات؛ فالتجديد، في عمقه، هو فعل استيعاب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وترجمتها إلى خطاب وبرامج وأشكال تنظيمية قادرة على استعادة الثقة والمعنى.

وإذا كان تاريخ الاتحاد قد كُتب بتضحيات جسام وبنضالات راسخة، فإن مستقبله لن يُبنى إلا بجرأة فكرية، وبانفتاح ديمقراطي، وبقدرة على جعل مناهضة التفاوت الاجتماعي أفقا جامعا لا شعارا عابرا. عندها فقط يمكن للاتحاد الاشتراكي أن يحقق معادلة الاستمرارية والتجديد: حزب وفيّ لتاريخه، ومُنخرط بصدق في صناعة مستقبل هذا الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى