الرأي | حين تعيق بعض النخب مسار تطور المغرب


لم يعد التحدي الذي يواجه المغرب اليوم مرتبطا بصحة اختياراته الكبرى، بقدر ما يرتبط بقدرة النخب على مواكبة هذه الاختيارات والارتقاء بها إلى مستوى تطلعات الدولة والمجتمع؛ فالمسار الصاعد الذي اختارته المملكة واضح المعالم، غير أن اختلالات في الأداء والتدبير أبطأت وتيرته في بعض المجالات، مما يجعل لحظة التصحيح ضرورة وطنية لتعزيز الثقة وتسريع الإصلاح.
لا يشك أحد، إلا من يعاند أو يحقد، في أن مغرب اليوم أفضل بكثير مما كان عليه قبل ثلاثة عقود، وبالضبط منذ الإعلان عما يمكن تسميته بـ”المصالحة السياسية”، عقب تصويت أحزاب الكتلة الوطنية آنذاك سنة 1996، على الدستور، ومجيء حكومة التناوب، ثم تلتها مصالحات متعددة، فكانت المصالحة الحقوقية بإقرار هيئة “الإنصاف والمصالحة”، والمصالحة الاجتماعية بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والمصالحة الثقافية بإطلاق مخطط إدماج الأمازيغية، والعدالة المجالية بتأسيس الجهوية وبرامج التنمية المحلية.
وقد رافق ذلك إطلاق استراتيجيات ومخططات وبرامج ومشاريع وشراكات قطاعية لتنمية العمران (التنمية المادية)، شملت أغلب المجالات الدينية والدبلوماسية والبنيوية والاجتماعية والاقتصادية واللوجستية.
وبذلك خطّت المملكة لنفسها مسار المغرب الصاعد، وفرضت نفسها فاعلا وشريكا على المستويين الإفريقي والدولي.
لكن، مع الأسف، وقعت إخفاقات وظهرت اختلالات، أشارت إليها أغلب الخطب الملكية في السنتين الأخيرتين، وكان خطاب العرش الأخير أكثر حدة، إذ أكد الملك محمد السادس، بأسلوب يلخص التقييم النهائي للحصيلة، أن المغرب يسير بسرعتين، وأنه ليس هذا هو المغرب الذي نريد.
ومن أكثر ما يهدد المملكة ومسار المغرب الصاعد، مظاهر واختلالات وتراجعات، تتعلق، في أغلبها، ببناء وتكريم الإنسان، وقد أكدتها تقارير رسمية معتمدة، في قطاعات ومجالات، مثل التعليم والصحة والحكامة والتشغيل والشباب والاستثمار الصغير والمتوسط، والسلوك المدني والأسرة… إضافة إلى التنمية المجالية والأمن الغذائي والماء.
لكن الأخطر من ذلك، والسبب فيه، هو وجود فئات غير مخلصة للمغرب الصاعد، سيطرت على بعض النخب – وأقول بعضا حتى أكون منصفًا – فتُفسد على الوطن مساره الصاعد في السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والإعلام والثقافة والمجتمع.. فئات تعلن ظاهريا الولاء للوطن، والالتزام بالثوابت، والإيمان بالحداثة، والعمل من أجل التنمية، لكنها في الواقع سبب في كثير من المظاهر السيئة والاختلالات العميقة والتراجعات المتراكمة.
فهي، بتخطيطها ومكرها وسلوكها وسوء تدبيرها، وراء التفاهة في الفن والإعلام، وتفكيك الأسرة، وتراجع القيم في المجتمع، والافتراس في الاقتصاد، وتنامي البطالة، وموجة الغلاء، والفساد في الإدارة، والانحراف في السياسة، والضعف في التعليم والصحة، وضعف السيادة الغذائية…
ولا أشك أبدا في أن بين هؤلاء – وهم البعض وليس الكل – خيطا ناظما، وتعاونا منظما، ومصالح مشتركة، وروابط دولية حتى.. ولهم مستشارون وخبراء وداعمون في القانون والمال والتخطيط والتدبير والعلاقات العامة والإعلام.
وأقولها جازما، مكررا ما قلته في أكثر من مقال وحوار، إن المملكة تحتاج إلى توافق بين الدولة والنخب المخلصة والصالحة والمجتهدة، النخب الموجودة في المجالات نفسها المذكورة أعلاه، وهذه النخب تمثل الغالبية من الكفاءات داخل الوطن وخارجه، وتحتاج إلى توافق مبني على الثقة والنصح والتعاون، وتنازل النخب عن “النموذج المثالي للدولة” بتفهم الإكراهات والضغوط التي تواجهها الدولة، يقابله تنازل الدولة عن “نموذج النخبة الطيّعة” بتفهم طموحات هذه النخب ومطالبها، حتى وإن كانت مزعجة.
إن المملكة تعيش مرحلة انتقالية حقيقية على كل الأصعدة، وهي تحتاج إلى نخب جديدة “مخلصة وصالحة ومجتهدة” لتنجح بلادنا بسرعة موحدة وأقوى في معارك السيادة والتنمية والعالمية، تحقيقا للمغرب الصاعد بالإنسان والعمران.
فهل ما نراه من حملات وإصلاحات، هو بداية لتصفية النخب الأولى، وبداية لتوافق مع النخب الثانية ؟



