الرأي | إنها ملهمتي

كم كان موضوع الإلهام، ولا زال إلى يومنا هذا، عصيا على التعريف، لأنه مزيج من الروح والحواس والشعور والعقل والفكر والذكاء والعطاء، تختلط فيه عدة عوامل؛ فهذا الفيلسوف أيفانهوف يرى أن الإلهام ليس صدفة، بل هو استحقاق روحي: “الإلهام ليس رعدا يضرب رأس الخاملين، بل هو هواء لا يتنفسه إلا من صعدوا إلى القمم.
إن أردت أن يزورك الإلهام، فعليك أن تجعل من عقلك مصيدة للضياء، ومن قلبك بحيرة ساكنة تعكس وجه السماء.
هو ليس فكرة تأتي، بل هو حالة وجود تضعك على موجة الكون”.
وهذا شارل بودلير شاعر “أزهار الشر”، يعتبره ابن “العمل اليومي: لا تظنوا أنه رفيقة تأتي فقط لتقبل جبين الشاعر النائم، بل هو مكافأة الجهد الطويل، هو تلك اللحظة التي تنفتح فيها البصيرة بعد طول تحديق في الظلام. الإلهام هو الحماس وقد صار منظما”.
أما عظيم فرنسا فيكتور هوغو، فقد وصفه بالعاصفة عندما قال: “الإلهام هو تلك الريح العاتية التي تعصف بروح الشاعر، فما القصائد إلا الأوراق التي تتساقط من شجرته بفعل تلك العاصفة. الكاتب لا يبتكر الإلهام، بل يستسلم له كما يستسلم الشراع للرياح”.
ولربما هذا الوصف هو الأقرب للقصيدة المشهورة للشاعر المصري أحمد نديم التي غناها الفنان المغربي المرحوم أحمد الغرباوي، والتي كانت سبب مجده طول حياته وبعد مماته، فالإلهام فيها استسلام يخفف الجراح وبلسم يشفي الأسقام ونشيد من أناشيد الصباح:
أنا روح في الربى أشذو بلحن
وهي نفس ذات أحلام وحسن
قد سباها ما سباني في تمني
وهواها من هوى أنغام فني
إنها ملهمتي في كل آن
وأنا ذكرى على مر الزمن
ساهر أهذي بها دون الحسان
أنا روح في غدوي وروحي
وهي نفس خففت عني جراحي
بلسم يشفي سقمي ونواحي
ونشيد من أناشيد الصباح
من منا لم يتغن مع المرحوم أحمد الغرباوي برائعته الخالدة “إنها ملهمتي”؛ هذه الأغنية التي نظمها مؤلفها أحمد نديم، الذي كان يشغل منصب مدير مدرسة المغرب العربي بالرباط، وهو الوحيد الذي يحتفظ بأسرار نظمها كما قال الفنان عبد الواحد التطواني، الذي كان هو أول من كان سيغنيها بعدما لحنها الغرباوي، لكن ظروف سفر حالت دون ذلك فغناها ملحنها الذي ربطها بأنها كانت الأغنية التي يرددها بحكم تشجيعه لفريق سطاد الرباطي.
وكانت “إنها ملهمتي” ضمن قصيدة مطولة تضم أكثر من ثلاثين بيتا شعريا، وقد اختار كلماتها إدريس العلام وعبد الكريم بوعلاكة، قبل أن يتم الاحتفاظ في النهاية بعشرة أبيات فقط التي غناها أحمد الغرباوي والتي يحكي بنفسه بأنها كانت سبب تعرفه على المغفور له الملك الحسن الثاني، حيث قال الغرباوي، أنه في بداية الستينيات، وقد كانت المناسبة تسجيل قطعته الغنائية الشهيرة “إنها ملهمتي”، مباشرة بعد رائعة “القمر الأحمر” لعبد الهادي بلخياط، وهي من نظم الشاعر الكبير عبد الرفيع الجواهري وألحان الموسيقار عبد السلام عامر.
ويشرح الفنان أحمد الغرباوي، أنه لم تمض على تسجيل هذه الأغنية الخالدة إلا ثمانية أيام حتى أرسل الملك الحسن الثاني في طلبه، وقال له “هاذي هي الألحان وإلا بلاك”، ومنذ ذلك الحين بقي الغرباوي يتردد على القصر الملكي في كل المناسبات ويشرفه بدعواته.
ومنذ ذلك التاريخ صمدت هذه الأغنية الأصيلة لجميع الأزمنة ولا زالت حتى أجيال القرن الواحد والعشرين تتغنى بها، بل أصبحت تراثا مغربيا موسيقيا أصيلا برع فيه الشاعر وأبدع فيه الملحن المتأثر بالموسيقار فريد الأطرش، الذي صرح في إحدى حواراته بأن هذا النبوغ وصل به إلى أن طلب منه الملك الحسن الثاني أداء أغنية “أول همسة” بحضور صاحبها فريد الأطرش، مثلما طلب من عبد الهادي بلخياط أداء “ست الحبايب” في حضور الموسيقار محمد عبد الوهاب.
وها هي لا زالت تلهم إلى يومنا هذا..



