الرأي

الرأي | ذاكرة إفريقيا في التحرر من الاستعمار تنبعث في “الكان” المغربي

عبد الله بوصوف
بقلم: عبد الله بوصوف

  مع انطلاق كأس إفريقيا للأمم على أرض المغرب، لم تتحول الملاعب فقط إلى فضاءات للتنافس الرياضي، بل تبدلت المدن المغربية إلى لوحات إفريقية مفتوحة؛ في الشوارع والساحات وواجهات البنايات، ترفرف أعلام الدول الإفريقية بألوان متقاربة: الأخضر، الأصفر، والأحمر.. ألوان قد تختلط على غير المتابع، لكنها بالنسبة للأفارقة تختزل تاريخا طويلا من المقاومة والتحرر، وتحمل ذاكرة سياسية مشتركة تجاوز حدود الكرة والملاعب.

تنظيم المغرب لهذا الحدث القاري يمنحه بعدا يتجاوز الرياضة، ليعيد طرح سؤال الانتماء الإفريقي في عمقه الثقافي والتاريخي؛ فالمغرب، وهو يستقبل المنتخبات والجماهير من مختلف أنحاء القارة، يستضيف في الآن نفسه رموزها، وفي مقدمتها الأعلام التي تروي قصة واحدة بأسماء متعددة: قصة إفريقيا في مواجهة الاستعمار وبحثها الدائم عن الكرامة والسيادة.

تعود جذور هذه الألوان إلى التجربة الإثيوبية، التي احتلت موقعا فريدا في الوعي الإفريقي الحديث.. فقد كانت إثيوبيا الدولة التي فشلت القوى الاستعمارية الأوروبية في إخضاعها إخضاعا دائما خلال مرحلة التكالب على إفريقيا، وكان انتصارها في معركة “عدوة” سنة 1896 ضد إيطاليا، لحظة فاصلة تحولت إلى رمز قاري يؤكد أن الاستعمار ليس قدرا محتوما، وأن الإرادة الإفريقية قادرة على الانتصار.

تتمة المقال تحت الإعلان

من هنا اكتسب العلم الإثيوبي، بألوانه الثلاثة، بعدا رمزيا تجاوز حدوده الوطنية؛ فالأخضر رمز الأرض والحياة، والأصفر رمز الأمل والعدالة، والأحمر رمز التضحيات، ومع تصاعد حركات التحرر الوطني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحولت هذه الألوان إلى لغة بصرية مشتركة للتحرر الإفريقي.

تتمة المقال تحت الإعلان

كانت غانا، بقيادة كوامي نكروما، أول دولة إفريقية جنوب الصحراء تعتمد هذه الألوان بعد استقلالها سنة 1957، لتفتح الطريق أمام دول أخرى مثل مالي وغينيا والسنغال والكاميرون وبوركينا فاسو، لذلك، فإن تشابه الأعلام لم يكن ضعفا في الهوية، بل إعلانا عن وحدة التجربة والمصير، وعن انتماء يتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار.

وفي قلب هذا المشهد القاري، يبرز الدور المغربي في دعم حركات التحرر الإفريقية؛ فبعد استقلاله سنة 1956، جعل المغرب من مساندة القضايا الإفريقية خيارا سياسيا واضحا، واحتضنت الرباط والدار البيضاء عددا من قادة حركات التحرر، كما شكّل مؤتمر الدار البيضاء سنة 1961 محطة مفصلية جمعت دولا وقوى إفريقية آمنت بالتحرر الكامل والوحدة القارية، وقد كان هذا التوجه امتدادا لرؤية الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، الذي آمن بأن استقلال المغرب لا يكتمل إلا بتحرر إفريقيا بأسرها.

هذا البعد التاريخي عاد ليطفو على السطح في مشهد لافت خلال منافسات كأس إفريقيا للأمم، حين خطف الأنظار مشجع كونغولي يشبه في ملامحه الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، فلم يكن حضوره مجرد لقطة جماهيرية عابرة، بل استدعاءً لذاكرة نضالية لا تزال حاضرة في الوجدان الإفريقي، فباتريس لومومبا، أحد أبرز رموز التحرر في القارة، حظي بتقدير خاص من المغفور له الملك محمد الخامس، الذي وشّحه بأحد الأوسمة الملكية السامية، في دلالة قوية على عمق التضامن المغربي الإفريقي في زمن كانت فيه الكلمة للمستعمر.

هكذا، تحولت مدرجات الملاعب إلى مسرح للذاكرة، حيث تختلط الهتافات الكروية بالرموز التاريخية، وتلتقي الأعلام بالأفكار؛ فالمشجع الكونغولي، بملامحه اللومومبية، لم يكن مجرد متفرج، بل رمزا حيًا لاستمرار المعنى الذي حملته تلك الألوان منذ أكثر من قرن: معنى الكرامة ورفض الخضوع.

إن تشابه الأعلام الإفريقية في المدن المغربية خلال هذه البطولة، هو في حقيقته تعبير عن وحدة تاريخية عميقة: حدود رسمها الاستعمار، لكن ذاكرة التحرر أعادت وصلها بالألوان والرموز، ومع كل مباراة، يتأكد أن كأس إفريقيا للأمم ليست مجرد بطولة رياضية، بل مناسبة تستعيد فيها القارة سرديتها الخاصة.

في المغرب، حيث تلتقي إفريقيا شمالا وجنوبا، تتحول كرة القدم إلى لغة جامعة، وتصبح الأعلام المرفوعة في الشوارع شهادة صامتة على أن إفريقيا، رغم تنوعها واختلاف مساراتها، ما تزال تحمل قلبا واحدا ينبض بألوان الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى