الرأي | حين تنجح كرة القدم.. لماذا لا تنجح باقي القطاعات ؟


في خضم ما نشهده من اهتمام بالغ بكرة القدم، من تعبئة شاملة للطاقات، وتسريعٍ ملحوظ للوتيرة، ورصد سخي للإمكانات المادية والبشرية، لا يسع المواطن إلا أن يتساءل: لماذا لا يمتد هذا النفس نفسه، وهذا الحرص ذاته، إلى باقي القطاعات الحيوية التي تمس صميم حياته اليومية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والشغل ؟
لقد أثبتت التجربة أن ما يتحقق في زمن وجيز، حين تتوفر الإرادة السياسية الواضحة، والتخطيط المحكم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يمكن أن يتحول إلى إنجازات ملموسة يفتخر بها الجميع، وهو ما يؤكد أن بلادنا قادرة على تحقيق نهضة حقيقية وشاملة متى أُحسن التدبير وتكافأت الفرص.. فكما نطمح إلى ملاعب بمعايير عالمية وتنظيم محكم يشرّف الوطن، نطمح كذلك إلى مستشفيات تحفظ كرامة المريض، وتقدم خدمات صحية تليق بإنسان هذا القرن، دون معاناة أو تمييز.
وفي مجال التعليم، لا يقلّ الطموح أهمية، إذ يُعد التعليم حجر الأساس لأي تنمية مستدامة، والتمني كل التمني أن يحظى المتعلم بالأولوية نفسها من حيث جودة البنيات التحتية، وتحديث المناهج، وتأهيل الموارد البشرية، حتى يصبح التعليم رافعة حقيقية لصناعة المستقبل، لا مجرد محطة عابرة؛ تعليم يصنع الفكر، ويغرس القيم، ويفتح الآفاق أمام أجيال قادرة على الإبداع والمنافسة، والمساهمة الفاعلة في بناء الوطن.
أما الشغل، فهو مفتاح الاستقرار وعماد كرامة العيش، لذلك لا يمكن الحديث عن تنمية دون توفير فرص عمل حقيقية تحفظ للشباب كرامتهم وتمنحهم الأمل. فالنهوض بهذا القطاع يقتضي التعامل معه بالجدية نفسها، عبر إطلاق مشاريع منتجة، وتشجيع الاستثمار، وربط الفرص بالاستحقاق وتكافؤ الحظوظ، حتى يشعر المواطن بأن له مكانا واضحا في وطنه.
وإذا كانت هذه القطاعات تشكل أعمدة التنمية المادية والاجتماعية، فإن الثقافة تبقى روح هذه التنمية وجوهرها الإنساني، فلا يمكن الحديث عن إنسان متوازن أو عن مجتمع سليم دون وضع الثقافة في صدارة الاهتمام، باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء الوعي الجماعي وصقل شخصية المواطن، فالثقافة ليست ترفا فكريا ولا نشاطا ثانويا، بل هي أساس الرقي، وشرط من شروط التقدم الحضاري.
إن الاهتمام بالثقافة هو استثمار في العقل، وفي الكتاب، وفي المسرح، وفي الفنون، وفي التراث، وفي كل ما يسهم في تشكيل مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته، قادر على التفكير النقدي، وعلى التمييز بين البناء والهدم، لأن المواطن المثقف هو أساس الاستقرار، وحصن منيع ضد التطرف والانغلاق، وقاطرة للإبداع والابتكار، كما أن وضع الثقافة في الصدارة، يرقي الذوق العام، ويعزز قيم الحوار والاختلاف الإيجابي، ويقوي روح الانتماء للوطن، ويربط الأجيال بتاريخها وهويتها، مع فتح نوافذها على الثقافات الإنسانية الأخرى، في توازن يحفظ الخصوصية ويشجع الانفتاح.
إن إنسان هذا القرن لا يطلب المستحيل، بل يطلب رؤية شاملة تجعل منه محور كل السياسات العمومية، وحين يسري الاهتمام على جميع المجالات كما يسري على كرة القدم، وحين تتحول المراكز الثقافية، والمكتبات، ودور الشباب، والمسارح، إلى فضاءات حيّة نابضة، سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع متوازن؛ يفرح بإنجازاته الرياضية، ويطمئن في صحته، ويعتز بتعليمه، ويستقر في شغله، ويسمو بثقافته.
فبالثقافة يكتمل الوعي، وبالعدالة الاجتماعية تستقيم التنمية، وبالإنسان – قبل الحجر- يبنى وطن قوي، متماسك، ومؤهل لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.



